فهرس الكتاب

الصفحة 2142 من 4102

ج / 6 ص -124- أما أحكام الفصل: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: الْغَارِمُونَ ضَرْبَانِ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَدِينَ مَالًا وَيَصْرِفَهُ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، بِأَنْ يَخَافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ طَائِفَتَيْنِ، أَوْ شَخْصَيْنِ، فَيَسْتَدِينُ مَالًا وَيَصْرِفُهُ فِي تَسْكِينِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ، فَيَنْظُرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دَمٍ تَنَازَعَ فِيهِ قَبِيلَتَانِ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَظْهَرْ الْقَاتِلُ أَوْ نَحْوُ، ذَلِكَ وَبَقِيَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ فَهَذَا يُصْرَفُ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ غِنَاهُ بِالنَّقْدِ وَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ.

وَقَالَ أَكْثَرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ: إنْ كَانَ فَقِيرًا دُفِعَ إلَيْهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ غَنِيًّا بِالْعَقَارِ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ، فَفِيهِ عِنْدَهُمْ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ يُعْطَى والثاني: لَا يُعْطَى إلَّا مَعَ الْفَقْرِ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا بِالْعُرُوضِ غَيْرِ الْعَقَارِ فَهُوَ كَالْغَنِيِّ بِالْعَقَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: كَالنَّقْدِ، ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي.

وَإِنْ اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فِي غَيْرِ دَمٍ، بِأَنْ تَحَمَّلَ قِيمَةَ مَالٍ مُتْلَفٍ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أصحهما: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ وَالْأَصْحَابِ: يُعْطَى مَعَ الْغِنَى؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَأَشْبَهَ بِالدَّمِ. والثاني: لَا يُعْطَى إلَّا مَعَ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ غُرْمٌ فِي غَيْرِ قَتْلٍ فَأَشْبَهَ الْغَارِمَ لِنَفْسِهِ، وَقَاسَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا لَوْ ضَمِنَ مَالًا، وَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ سَأَذْكُرُهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الْغَارِمِينَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مَا دَامَ الدَّيْنُ بَاقِيًا عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِمَنْ اسْتَدَانَهُ مِنْهُ، وَدَفَعَهُ فِي الْإِصْلَاحِ، أَوْ كَانَ قَدْ تَحَمَّلَ الدِّيَةَ مَثَلًا لِأَهْلِ الْقَتِيلِ وَلَمْ يُؤَدِّهَا بَعْدُ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِ مَا يُؤَدِّيهِ فِي دَيْنِهِ، أَوْ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ فَلَوْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَدَّاهُ ابْتِدَاءً مِنْ مَالِهِ لَمْ يُعْطَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَارِمٍ إذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ غَرِمَ لِصَلَاحِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فَإِنْ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا عَلَى غَيْرِهِ سَهْوًا، فَهَذَا يُعْطَى مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ بِشُرُوطٍ.

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ، فَلَوْ كَانَ غَنِيًّا قَادِرًا بِنَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ عَلَى مَا يَقْضِي بِهِ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَحَدُهُمَا وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَالصَّدَقَاتِ مِنْ الْأُمِّ أَنَّهُ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى، لِأَنَّهُ غَارِمٌ فَأَشْبَهَ الْغَارِمَ لِذَاتِ الْبَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُعْطَى كَمَا لَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ وَابْنُ السَّبِيلِ مَعَ الْغِنَى بِخِلَافِ الْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُ عَامَّةٌ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِي بِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُعْطَى مَا يَقْضِي بِهِ الْبَاقِيَ فَقَطْ.

فَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا وَقَدَرَ عَلَى قَضَائِهِ بِالِاكْتِسَابِ فَوَجْهَانِ أحدهما: لَا يُعْطَى كَالْفَقِيرِ وَالصَّحِيحُ: وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهُ إلَّا بَعْدَ زَمَانٍ وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ حَاجَتَهُ بِالْكَسْبِ فِي الْحَالِ، وَمَا مَعْنَى الْحَاجَةِ الْمَذْكُورَةِ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ: عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ تَقْتَضِي كَوْنَهُ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَرُبَّمَا صَرَّحُوا بِهِ، قَالَ: وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمِفْتَاحِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمَسْكَنُ وَالْمَلْبَسُ وَالْفِرَاشُ وَالْآنِيَةُ، وَكَذَا الْخَادِمُ وَالْمَرْكُوبُ إنْ اقْتَضَاهُمَا حَالُهُ، بَلْ يَقْضِي دَيْنَهُ وَإِنْ مَلَكَهَا قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يُعْتَبَرُ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ هُنَا، بَلْ لَوْ مَلَكَ قَدْرَ كِفَايَتةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت