فهرس الكتاب
ج / 6 ص -125- وَكَانَ لَوْ قَضَى دَيْنَهُ مِمَّا مَعَهُ لَنَقَصَ مَالُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ، تُرِكَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَأُعْطِيَ مَا يَقْضِي بِهِ الْبَاقِي. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَقْرَبُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ دَيْنُهُ لِطَاعَةٍ أَوْ مُبَاحٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، وَكَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ لَمْ يُعْطَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ فِي إعْطَائِهِ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْأَخْذِ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ تَابَ فَهَلْ يُعْطَى؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أصحهما: عِنْدَ صَاحِبَيْ الشَّامِلِ وَالتَّهْذِيبِ لَا يُعْطَى، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّ فِي إعْطَائِهِ إعَانَةً لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يُعْطَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ، وَصَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقَنَّعِ، وَأَبُو خَلَفٍ السُّلَمِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"وَالْغَارِمِينَ"وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْأَصْحَابُ هُنَا لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ وَمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ تَوْبَتِهِ يَظْهَرُ فِيهَا صَلَاحُ الْحَالِ إلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ: يُعْطَى عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ إذَا غَابَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي تَوْبَتِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ: إنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي تَوْبَتِهِ أُعْطِيَ، وَإِنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَفِي إعْطَائِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أصحها لَا يُعْطَى. وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ الْآنَ والثاني: يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى غَارِمًا. والثالث: حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَجَلُ يَحِلُّ تِلْكَ السَّنَةِ أُعْطِيَ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْوَجْهَانِ هُنَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ النَّجْمُ هَلْ يُعْطَى؟ قَالَ: وَقَدْ يَتَرَتَّبُ هَذَا الْخِلَافُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ ثُمَّ تَارَةً يُجْعَلُ الْغَارِمُ أَوْلَى بِأَنْ يُعْطَى؛ لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مُسْتَقِرٌّ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَتَارَةً يُجْعَلُ الْمُكَاتَبُ أَوْلَى بِأَنْ يُعْطَى؛ لِأَنَّ لَهُ التَّعْجِيلَ لِغَرَضِ الْحُرِّيَّةِ قلت: وَجَمَعَ الدَّارِمِيُّ مَسْأَلَتَيْ الْمُؤَجَّلِ فِي الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ. وَذَكَرَ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُعْطَيَانِ فِي الْحَالِ والثاني: لَا والثالث: يُعْطَى الْمُكَاتَبُ لَا الْغَارِمُ (وَالرَّابِعُ) عَكْسُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُ مَا دَامَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ فَإِنْ وَفَّاهُ أَوْ بَرِئَ مِنْهُ لَمْ يُعْطَ بِسَبَبِهِ. وَإِنَّمَا يُعْطَى قَدْرَ حَاجَتِهِ. فَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فَلَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ مِنْهُ بَلْ أُبْرِئَ مِنْهُ أَوْ قُضِيَ عَنْهُ أَوْ قَضَاهُ هُوَ، لَا مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ بَلْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ فَطَرِيقَانِ أحدهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ أَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ مِنْهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ والثاني: حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا قُضِيَ عَنْهُ الدَّيْنُ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ. وَلَوْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ فَقَضَى الدَّيْنَ بِبَعْضِهِ، فَفِي الْبَاقِي الطَّرِيقَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ: لَوْ تَحَمَّلَ دِيَةَ قَتِيلٍ فَأَعْطَيْنَاهُ فَبَانَ الْقَاتِلُ وَضَمِنَ الدِّيَةَ اُسْتُرِدَّ مِنْ الْغَارِمِ الْقَابِضِ مَا أَخَذَ وَصُرِفَ إلَى غَارِمٍ آخَرَ. فَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَهَا إلَى مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهِ، وَلَا يُطَالَبُ الْقَاتِلُ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِالدَّفْعِ. قَالَ: فَإِنْ تَطَّوَّعَ بِأَدَائِهَا أُخِذَتْ وَجُعِلَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ أَعْطَيْنَاهُ لِيَدْفَعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فَأَبْرَءُوا النَّاسَ قَبْلَ قَبْضِهِمْ مِنْهُ اُسْتُرِدَّ مِنْهُ.