ج / 6 ص -132- مَرْكُوبٌ، وَإِنْ ضَاقَ اُكْتُرِيَ لَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ أَمْ لَا، وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَلْ يُعْطَى جَمِيعَ مُؤْنَةِ سَفَرِهِ؟ أَمْ زَادٍ بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) الْجَمِيعُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُعْطَى كِفَايَتَهُ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ إنْ كَانَ يُرِيدُ الرُّجُوعَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي مَقْصِدِهِ مَالٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُعْطَى لِلرُّجُوعِ فِي ابْتِدَاءِ سَفَرِهِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى عِنْدَ رُجُوعِهِ، وَوَجْهًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَزْمُهُ أَنْ يَصِلَ الرُّجُوعَ بِالذَّهَابِ أُعْطِيَ لِلرُّجُوعِ، وَإِنْ كَانَ عَزْمُهُ إقَامَةَ مُدَّةٍ لَمْ يُعْطَ لِلرُّجُوعِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فِي إقَامَتِهِ فِي الْمَقْصِدِ - فَإِنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ - أُعْطِيَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ، وَلَهُ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَسَائِرُ الرُّخَصِ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ غَيْرَ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَمْ يُعْطَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا ابْنَ سَبِيلٍ، وَانْقَطَعَتْ رُخَصُ السَّفَرِ، بِخِلَافِ الْغَازِي فَإِنَّهُ يُعْطَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فِي الثَّغْرِ وَإِنْ طَالَتْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَازِيَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَوَقُّعِ الْفَتْحِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَزُولُ بِالْإِقَامَةِ اسْمُ الْغَازِي بَلْ يَتَأَكَّدُ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ يُعْطَى وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُ إذَا كَانَ مُقِيمًا لِحَاجَةٍ يُتَوَقَّعُ تَنَجُّزُهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا رَجَعَ ابْنُ السَّبِيلِ وَقَدْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ اُسْتُرْجِعَ مِنْهُ سَوَاءٌ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ أَمْ لَا، وَقِيلَ: إنْ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُقَتِّرْ لَمْ يَفْضُلْ، لَمْ يَرْجِعْ بِالْفَاضِلِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَسَبَقَ فِي فَصْلِ الْغَازِي بَيَانُ هَذَا وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَازِي حَيْثُ لَا يُسْتَرْجَعُ مِنْهُ إذَا قَتَّرَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْغَازِي يَأْخُذُهُ عِوَضًا لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ، وَقِيَامِهِ بِالْغَزْوِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَابْنُ السَّبِيلِ يَأْخُذُهُ لِحَاجَتِهِ إلَيْنَا وَقَدْ زَالَتْ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ الْمَرْكُوبُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يُسْتَرَدُّ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ يُرِيدُ السَّفَرَ أَوْ الْغَزْوَ صُدِّقَ وَأُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي فَصْلِ الْمُكَاتَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ يَقَعُ عَلَى مُنْشِئِ السَّفَرِ وَالْمُجْتَازِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا يُعْطَى الْمُنْشِئُ بَلْ يَخْتَصُّ بِالْمُجْتَازِ.
فرع: لَوْ وَجَدَ ابْنُ السَّبِيلِ مَنْ يُقْرِضُهُ كِفَايَتَهُ وَلَهُ فِي بَلَدِهِ وِفَادَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُقْتَرَضَ مِنْهُ، بَلْ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجِبُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْأَصْنَافِ فِي السِّهَامِ وَلَا يُفَضِّلُ صِنْفًا عَلَى صِنْفٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَهُمْ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُمَّ كُلُّ صِنْفٍ إنْ أَمْكَنَ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ أَنْ يُصْرَفَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إلَيْهِمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ،"