ج / 6 ص -133- فَإِنْ دَفَعَ إلَى اثْنَيْنِ ضَمِنَ نَصِيبَ الثَّالِثِ، وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ: أحدهما: الْقَدْرُ الْمُسْتَحَبُّ وَهُوَ الثُّلُثُ. والثاني: أَقَلُّ جُزْءٍ مِنْ السَّهْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الْوَاجِبُ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا زَادَ"."
الشرح: فِيهِ مَسَائِلُ:
إحداها: يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ، فَإِنْ وُجِدَتْ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ - وَجَبَ لِكُلِّ صِنْفٍ ثُمْنٌ، وَإِنْ وَجَبَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَجَبَ لِكُلِّ صِنْفٍ خَمْسٌ، وَلَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ صِنْفٍ عَلَى صِنْفٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ حَاجَتُهُمْ وَعَدَدُهُمْ أَمْ لَا، وَلَا يُسْتَثْنَى هَذَا إلَّا الْعَامِلُ فَإِنَّ حَقَّهُ مُقَدَّرٌ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ، فَإِنْ زَادَ سَهْمُهُ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَإِلَّا الْمُؤَلَّفَةُ فَفِي قَوْلٍ: يَسْقُطُ نَصِيبُهُمْ كَمَا سَبَقَ.
الثانية: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، سَوَاءٌ اسْتَوْعَبَهُمْ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَتْ حَاجَاتُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ فَإِنْ اسْتَوَتْ سَوَّى، وَإِنْ تَفَاضَلَتْ فَاضَلَ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ اسْتِحْبَابًا، فَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ حَيْثُ وَجَبَتْ وَآحَادُ الصِّنْفِ حَيْثُ اُسْتُحِبَّتْ، بِأَنَّ الْأَصْنَافَ مَحْصُورُونَ، فَيُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ بِلَا مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ آحَادِ الصِّنْفِ، قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ بَلَدٍ مَحْصُورِينَ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْمِيمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ، وَهُنَا فِي الزَّكَاةِ لَوْ كَانُوا مَحْصُورِينَ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَقِيرٌ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، وَهَا هُنَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ لَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنُوا لِفَقْدِ غَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مُسْتَحِقُّونَ لَا تَسْقُطُ بَلْ يَجِبُ نَقْلُهَا إلَى بَلَدٍ آخَرَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا إذَا قَسَّمَ الْمَالِكُ، فَأَمَّا إذَا قَسَّمَ الْإِمَامُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّفْضِيلُ عِنْدَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَعْمِيمَ جَمِيعِ آحَادِ الصِّنْفِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَزِمَهُ التَّسْوِيَةُ، وَالْمَالِكُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْمِيمُ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ.
الثالثة: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ كُلِّ صِنْفٍ أَمْكَنَ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَكَثِيرُونَ: إنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ اسْتِيعَابُ آحَادِ الصِّنْفِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَوْعِبُ بِزَكَاةِ كُلِّ شَخْصٍ جَمِيعَ الْآحَادِ، وَلَكِنْ يَسْتَوْعِبُهُمْ مِنْ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي يَدِهِ، وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ وَآخَرِينَ بِنَوْعٍ، وَلَهُ صَرْفُ زَكَاةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَإِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قَسَّمَ الْمَالِكُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِيعَابُ فَلَيْسَ هُوَ بِوَاجِبٍ وَلَا مَنْدُوبٍ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَجِبُ إنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يَجِبُ إنْ لَمْ نُجَوِّزْ نَقْلَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ اُسْتُحِبَّ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ الِاسْتِيعَابُ وَإِنْ قَسَّمَ الْمَالِكُ فَفِيهِ كَلَامُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيِّ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ بِوُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ إنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ: وَكَذَا إنْ قَسَّمَ الْمَالِكُ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَيَنْزِلُ إطْلَاقُ الْبَاقِينَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.