ج / 6 ص -143- الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ رضي الله عنه:"أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ"وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ نَقْلِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ إلَى كَافِرٍ، سَوَاءٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْمَالِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةِ الْمَالِ إلَى الذِّمِّيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَجَوَّزَهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ1 أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُعْطَوْنَ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيِّ جَوَازَ صَرْفِ الزَّكَاةِ إلَى الْكُفَّارِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَنِيٍّ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى كِفَايَتِهِ بِالْكَسْبِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ غِنَاهُ بِالْكَسْبِ كَغِنَاهُ بِالْمَالِ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى غَنِيٍّ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلَا إلَى قَادِرٍ عَلَى كَسْبٍ يَلِيقُ بِهِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ كِفَايَتُهُ وَكِفَايَةُ عِيَالِهِ، وَسَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي فَصْلِ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ. وَأَمَّا الصَّرْفُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مَعَ الْغِنَى فَيَجُوزُ إلَى الْعَامِلِ وَالْغَازِي وَالْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ وَالْمُؤَلَّفِ، وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْمُكَاتَبِ مَعَ الْغِنَى وَلَا ابْنِ السَّبِيلِ إنْ كَانَ غَنِيًّا هُنَا، وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يُعْطَى الْغَارِمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ مَعَ الْغِنَى عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ فَتَمْنَعُ إعْطَاءَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ كَمَا سَبَقَ، وَأَمَّا بَاقِي الْأَصْنَافِ فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ فِي الْحَالِ إلَى مَا يَأْخُذُونَ بِخِلَافِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَفِي الْغَارِمِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَالْمُكَاتَبِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُمَا لَا يُعْطَيَانِ إذَا قَدَرَا عَلَى الْكَسْبِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلَيْهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا جُعِلَ لِلْحَاجَةِ. وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ مَعَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ".
الشرح: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَقَدْ اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَهِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ أَكْمَلَ بَسْطٍ، وَأَنَا أَنْقُلُ فِيهَا عُيُونَ مَا ذَكَرُوهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَلَدِهِ وَلَا وَالِدِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لِعِلَّتَيْنِ: أحدهما: أَنَّهُ غَنِيٌّ بِنَفَقَتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ يَجْلِبُ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَهُوَ مَنْعُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْغَارِمِينَ وَالْغُزَاةِ إذَا كَانَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ش وق بالذال المعجمة وهو خطأ فهو مرة بن شراحيل الهمداني بسكون الميم أبو إسماعيل الكوفي هو الذي يقال له: مرة الطيب ثقة عابد من الطبقة الثانية مات سنة ست وسبعين (ط) .