ج / 6 ص -144- وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ إلَيْهِ، وَهُوَ إسْقَاطُ النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ جَازَ دَفْعُهُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَعْطَاهُ مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَزِيدُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَيُعْطِيهِ الْمَرْكُوبَ وَالْحَمُولَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ الْمُنْفِقَ وَلَا يُعْطِيهِ قَدْرَ نَفَقَةِ الْحَضَرِ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ، وَبِهَذَا قَطَعَ كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ. والثاني: وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ لَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ، بَلْ يُعْطِيهِ الْحَمُولَةَ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالْحَمُولَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي السَّفَرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ: لَهُ أَنْ يُعْطِيَ وَلَدَهُ وَوَالِدَهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ إذَا كَانَ عَامِلًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ مِنْ أَصْحَابِنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْطِيَ الْعَامِلَ شَيْئًا مِنْ زَكَاتِهِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: أَرَادَ الْأَصْحَابُ إذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْإِمَامُ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ وَلَدَ رَبِّ الْمَالِ وَوَالِدِهِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ إذَا كَانَ عَامِلًا مِنْ زَكَاةِ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الَّذِي يُعْطِيهِ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَلَوْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَطْلَقَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَيْنِ أصحهما: لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُ عَلَى قَرِيبِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ الْوَالِدُ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا وَقُلْنَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ: لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ فَيَجُوزُ لِوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَإِنْ أَعْطَاهَا غَيْرُ الزَّوْجِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَفِيهَا الْوَجْهَانِ كَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، وَالْأَصَحُّ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الزَّوْجُ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ كَالْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ، بَلْ نَفَقَتُهَا عِوَضٌ لَازِمٌ سَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً أَمْ فَقِيرَةً، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ فَقِيرًا فَإِنَّ لَهُ صَرْفَ الزَّكَاةِ إلَيْهِ مَعَ الْأَجْرِ وَالصَّحِيحُ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ وَعَلَيْهَا التَّفْرِيعُ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِفُرُوعِهَا مُسْتَقْصَاةٌ فِي سَهْمِ الْفُقَرَاءِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَمْ يُجْزِئ ذَلِكَ عَنْ الْفَرْضِ. فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا اُسْتُرْجِعَ وَدُفِعَ إلَى فَقِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فَانِيًا أُخِذَ الْبَدَلُ وَصَرَفَهُ إلَى فَقِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ مَالٌ لَمْ يَجِبْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِالدَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فَهُوَ كَالْمَالِ الَّذِي تَلِفَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَ [إلَيْهِ] رَبُّ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ عِنْدَ الدَّفْعِ أَنَّهُ زَكَاةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْفَعُ عَنْ زَكَاةٍ وَاجِبَةٍ وَعَنْ تَطَوُّعٍ فَإِذَا ادَّعَى الزَّكَاةَ كَانَ مُتَّهَمًا فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَيُخَالِفُ الْإِمَامَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إلَّا الزَّكَاةَ فَثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ رَجَعَ فِيهَا إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَفِي بَدَلِهَا إنْ كَانَتْ فَانِيَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْفُوعِ [إلَيْهِ] مَالٌ فَهَلْ يَضْمَنُ رَبُّ الْمَالِ الزَّكَاةَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ دُفِعَ [إلَيْهِ] بِالِاجْتِهَادِ فَهُوَ كَالْإِمَامِ. والثاني: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ بِأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَّقَ بِنَفْسِهِ فَقَدْ فَرَّطَ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ، وَإِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى رَجُلٍ ظَنَّهُ مُسْلِمًا فَكَانَ كَافِرًا أَوْ إلَى رَجُلٍ ظَنَّهُ حُرًّا فَكَانَ عَبْدًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَكَانَ غَنِيًّا. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجِبُ الضَّمَانُ هَهُنَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ حَالَ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ لَا يَخْفَى"