فهرس الكتاب
ج / 6 ص -207- مُسْتَحِقٌّ لِفِعْلِهَا، وَيَمْنَعُ مِنْ إيقَاعِ غَيْرِهَا فِيهِ، وَتَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ فِيهِ صَلَاةٌ أُخْرَى لَكِنْ لَوْ فُعِلَتْ انْعَقَدَتْ، وَقَدْ يُنَازَعُ فِي انْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا لَوْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ قَالَ: وَكَذَا النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ وَوَافَقْنَا عَلَى صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"بَعَثَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إلَى أَهْلِ الْعَوَالِي وَهِيَ الْقُرَى الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يَصُومُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ"قَالُوا: وَكَانَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ وَاجِبًا - ثُمَّ نُسِخَ - وَقِيَاسًا عَلَى صَوْمِ النَّفْلِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ حَفْصَةَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنهما"لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ"وَهُمَا صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى صَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَالْقَضَاءِ،
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ حَدِيثِ عَاشُورَاءَ بِجَوَابَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَإِنَّمَا كَانَ تَطَوُّعًا مُتَأَكَّدًا شَدِيدَ التَّأْكِيدِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا والثاني: أَنَّهُ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا فَكَانَ ابْتِدَاءُ فَرْضِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ حِينِ بَلَغَهُمْ وَلَمْ يُخَاطَبُوا بِمَا قَبْلَهُ كَأَهْلِ قُبَاءَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّ اسْتِقْبَالَهَا بَلَغَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَاسْتَدَارُوا وَهُمْ فِيهَا مِنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَأَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ، حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْحُكْمُ إلَّا حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ قَدْ سَبَقَ قَبْلَ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، وَيَصِيرُ هَذَا كَمَنْ أَصْبَحَ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَذَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ صَوْمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ بِجَوَابٍ ثَالِثٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَاشُورَاءُ وَاجِبًا فَقَدْ نُسِخَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِذَا نُسِخَ حُكْمُ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ غَيْرُهُ،
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى التَّطَوُّعِ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ التَّطَوُّعَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ وَثَبَتَ حَدِيثُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ حَدِيثَ التَّبْيِيتِ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ وَغَيْرَهُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ كُلِّ صَوْمٍ
مَذْهَبُنَا أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، سَوَاءٌ نِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَالتَّطَوُّعِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا نَوَى فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ جَمِيعِهِ كَفَاهُ لِجَمِيعِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ رِوَايَتَانِ أصحهما: كَمَذْهَبِنَا وَالثَّانِيَةُ: كَمَالِكٍ، وَاحْتُجَّ لِمَالِكٍ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَفَتْهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، كَالْحَجِّ وَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ