فهرس الكتاب
ج / 6 ص -221- وَدِينَارٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ حَصَاةٍ، أَوْ1 حَشِيشًا أَوْ نَارًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَيْطًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَفْطَرَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ رضي الله عنه وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ، وَحَكَوْا عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَاوَلُ الْبَرَدَ وَهُوَ صَائِمٌ وَيَبْتَلِعُهُ وَيَقُولُ:"لَيْسَ هُوَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ"وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ:"إنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ، وَإِنَّمَا الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ"وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الثانية: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا بَقِيَ فِي خَلَلِ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ فَيَنْبَغِي إنْ يُخَلِّلَهُ فِي اللَّيْلِ وَيُنَقِّيَ فَمَهُ، فَإِنْ أَصْبَحَ صَائِمًا وَفِي خَلَلِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ فَابْتَلَعَهُ عَمْدًا أَفْطَرَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْطِرُ، وَقَالَ زُفَرُ: يُفْطِرُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَدَلِيلُنَا فِي فِطْرِهِ أَنَّهُ ابْتَلَعَ مَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ فَبَطَلَ صَوْمُهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ إلَى يَدِهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى زُفَرَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْجِمَاعِ لِفُحْشِهِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَا دُونَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ،
أَمَّا إذَا جَرَى بِهِ الرِّيقُ فَبَلَعَهُ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَنَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ أَنَّهُ يُفْطِرُ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: فِي فِطْرِهِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ عَمَلًا بِالنَّصَّيْنِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: إنَّهُمَا عَلَى حَالَيْنِ، فَحَيْثُ قَالَ: لَا يُفْطِرُ أَرَادَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، وَحَيْثُ قَالَ: يُفْطِرُ أَرَادَ إذَا قَدَرَ فَلَمْ يَفْعَلْ وَابْتَلَعَهُ، وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: إنْ نَقَّى أَسْنَانَهُ بِالْخِلَالِ عَلَى الْعَادَةِ لَمْ يُفْطِرْ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ وَإِلَّا أَفْطَرَ لِتَقْصِيرِهِ كَالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَتَنَازَعَهُمَا فِي إلْحَاقِهِ بِالْمُبَالَغَةِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ بِالنَّهْيِ عَنْهَا، وَلِأَنَّ مَاءَ الْمُبَالَغَةِ أَقْرَبُ إلَى الْجَوْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا يَسِيرًا جِدًّا كَحَبَّةِ سِمْسِمٍ أَوْ خَرْدَلٍ وَنَحْوِهِمَا أَفْطَرَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُفْطِرُ عِنْدَنَا، وَلَا يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا قَالَ فِي الْبَاقِي فِي خَلَلِ الْأَسْنَانِ.
الثالثة: ابْتِلَاعُ الرِّيقِ لَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ عَلَى الْعَادَةِ، لِأَنَّهُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا لَا يُفْطِرُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَمَحَّضَ الرِّيقُ فَلَوْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَفْطَرَ بِابْتِلَاعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُغَيِّرُ طَاهِرًا كَمَنْ فَتَلَ خَيْطًا مَصْبُوغًا تَغَيَّرَ بِهِ رِيقُهُ، أَوْ نَجِسًا كَمَنْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ أَوْ انْقَلَعَتْ سِنُّهُ أَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْفُوَّ، عَنْهُ هُوَ الرِّيقُ لِلْحَاجَةِ وَهَذَا أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ الرِّيقِ وَهُوَ مُقَصِّرٌ بِهِ بِخِلَافِ غُبَارِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَلَوْ بَصَقَ حَتَّى ابْيَضَّ الرِّيقُ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في ش وق والصواب: أو حشيش أو نار أو حديد أو خيط؛ لأن هذه معطوفات على المجرور بالكاف (كدرهم) وممكن تقديره أو ابتلع حشيشا أو نارا ... الخ وهو تجويز قريب الاحتمال. والله أعلم (ط) .