فهرس الكتاب
ج / 6 ص -236- مِسْكِينًا؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ تَصِحُّ فِي الْإِطْعَامِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا كَفَّارَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَبَعَّضُ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُ نِصْفِ كُلِّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ صَامَ عَنْ نَفْسِهِ شَهْرَيْنِ، وَأَعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةً، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ أَطْعَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَصُمْ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ، لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً وَقُلْنَا: إنَّ الْأَمَةَ لَا تَمْلِكُ الْمَالَ فَهِيَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا عِتْقٌ فإن قلنا: إنَّهَا تَمْلِكُ الْمَالَ أَجْزَأَ عَنْهَا الْعِتْقُ كَالْحُرَّةِ الْمُعْسَرَةِ. وَإِنْ قَدِمَ الرَّجُلُ مِنْ السَّفَرِ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَتْ: أَنَا مُفْطِرَةٌ فَوَطِئَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَمْ يَلْزَمْهَا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ وَعَنْهَا، وَجَبَ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهَا، لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ بِقَوْلِهَا: إنِّي مُفْطِرَةٌ. وَإِنْ أَخْبَرَتْهُ بِصَوْمِهَا فَوَطِئَهَا وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ دُونَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ وَعَنْهَا، لَزِمَهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ لَزِمَهَا أَنْ تَصُومَ. وَإِنْ وَطِئَ الْمَجْنُونُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ صَائِمَةٌ مُخْتَارَةً - فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ دُونَهَا - لَمْ تَجِبْ، وَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ عَنْهُ وَعَنْهَا، فَهَلْ يَتَحَمَّلُ الزَّوْجُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَا يَتَحَمَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَتَحَمَّلُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِوَطْئِهِ، وَالْوَطْءُ كَالْجِنَايَةِ وَجِنَايَةُ الْمَجْنُونِ مَضْمُونَةٌ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ نَائِمًا فَاسْتَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَهُ فَإِنْ قُلْنَا: الْكَفَّارَةُ عَنْهُ دُونَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: عَنْهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُكَفِّرَ وَلَا يَتَحَمَّلُ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ فِعْلٌ، وَإِنْ زَنَى بِهَا فِي رَمَضَانَ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ دُونَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: عَنْهُ وَعَنْهَا، وَجَبَ عَلَيْهِمَا كَفَّارَتَانِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ الرَّجُلُ كَفَّارَتَهَا، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تُتَحَمَّلُ بِالْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ هَهُنَا"."
الشرح: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَأَصْلُهَا مِنْ الْكَفْرِ، بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهُوَ السِّتْرُ، لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الذَّنْبَ وَتُذْهِبُهُ. هَذَا أَصْلُهَا ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا وُجِدَ فِيهِ صُورَةٌ مُخَالِفَةٌ أَوْ انْتِهَاكٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْمٌ كَالْقَاتِلِ خَطَأً وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ (عِتْقُ رَقَبَةٍ) فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّمَا قِيلَ لِمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً وَأَعْتَقَ رَقَبَةً وَفَكَّ رَقَبَةً، فَخُصَّتْ الرَّقَبَةُ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ السَّيِّدِ وَمِلْكَهُ كَالْحَبْلِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَكَالْغُلِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْهُ، فَإِذَا أُعْتِقَ فَكَأَنَّهُ أُطْلِقَ مِنْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي تَهْذِيبُ الْعِتْقِ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ (بِعَرَقِ تَمْرٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَيُقَالُ أَيْضًا: بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فَتْحُهَا وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْمِكْتَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَالزِّنْبِيلُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَالزَّنْبِيلُ بِفَتْحِهَا، وَالْقُفَّةُ وَالسَّفِيفَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَاءٍ مُكَرَّرَةٍ، وَكُلُّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْوِعَاءِ الْمَعْرُوفِ، لَيْسَ لِسِعَتِهِ قَدْرٌ مَضْبُوطٌ، بَلْ قَدْ يَصْغُرُ وَيَكْبُرُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد"فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا"وَقَوْلُهُ:"مَا بَيْنَ لَابَّتَيْ الْمَدِينَةِ"يَعْنِي حَرَّتَيْهَا، وَالْحَرَّةُ هِيَ الْأَرْضُ الْمُكَبَّسَةُ حِجَارَةً سَوْدَاءَ، وَيُقَالُ لَهَا لَابَةٌ وَلُوبَةٌ وَنَوْبَةٌ بِالنُّونِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي التَّهْذِيبِ وَقَوْلُهُ"حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ"وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ"نَوَاجِذُهُ"وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَالنَّوَاجِذُ هِيَ الْأَنْيَابُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنُ هُنَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَيُقَالُ: هِيَ الْأَضْرَاسُ، وَهِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَقُلْنَا: إنَّ الْأَمَةَ لَا