فهرس الكتاب
ج / 6 ص -244- وَالْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا عَنْ أَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ تَلَامِذَةِ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ مَا يَأْثَمُ بِالْإِفْطَارِ بِهِ. وَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةٌ فَوْقَ كَفَّارَةِ الْمُرْضِعِ وَدُونَ كَفَّارَةِ الْمَجَامِعِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ غَلَطٌ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا اسْتَمْنَى مُتَعَمِّدًا بَطَلَ صَوْمُهُ وَلَا كَفَّارَةَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَوْ حَكَّ ذَكَرَهُ لِعَارِضٍ وَلَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِمْنَاءَ فَأَنْزَلَ، فَلَا كَفَّارَةَ، وَفِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ وَجْهَانِ قلت: أَصَحُّهُمَا لَا يَبْطُلُ كَالْمَضْمَضَةِ بِلَا مُبَالَغَةٍ.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا فِي الدُّبْرِ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قال: َالثَّوْرِيُّ: تَسْقُطُ وَأَسْقَطَهَا زَفَرُ بِالْحَيْضِ وَالْجُنُونِ دُونَ الْمَرَضِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالسَّفَرِ إلَّا ابْنَ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيَّ فَأَسْقَطَهَا بِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي الدُّبُرِ، وَاللِّوَاطُ كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ وَطْءٌ، وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ فِي إيجَابِ الْحَدِّ وَاحِدٌ فَكَذَلِكَ فِي إفْسَادِ الصَّوْمِ وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، أَفْسَدَ الصَّوْمَ وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ لَمْ يَفْسُدْ الصَّوْمُ وَلَمْ تَجِبْ بِهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فِي التَّعْزِيرِ فَكَانَ مِثْلَهُ فِي إفْسَادِ الصَّوْمِ وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ؛ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَفْسُدُ الصَّوْمُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ".
الشرح: قَوْلُهُ:"فَفِيهِ وَجْهَانِ"كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: طَرِيقَانِ فَعَبَّرَ، بِالْوَجْهَيْنِ عَنْ الطَّرِيقَيْنِ مَجَازًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حِكَايَةٌ لِلْمَذْهَبِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مِثْلِ هَذَا الْمَجَازِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ1، وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الْمَرْأَةِ فِي الدُّبُرِ وَاللِّوَاطَ بِصَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ فِي الْقُبُلِ فِي جَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَوُجُوبِ إمْسَاكِ بَقِيَّةِ النَّهَارِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا بَاطِلًا فِي الْإِتْيَانِ فِي الدُّبُرِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَهَذَا غَلَطٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال النووي رحمه الله في"المقدمة": وأما الطرق فهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب فيقول بعضهم مثلا: في المسألة قولان أو وجهان، ويقول الآخر: لا يجوز قولا واحدا أو وجها واحدا، أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويثقول الآخر: فيها خلاف مطلق، وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وعكسه. ثم ساقر أمثلة من"المهذب"فارجع إليه فإنه مفيد وهو في الجزء الأول ص (111) (ط) .