فهرس الكتاب

الصفحة 2359 من 4102

ج / 6 ص -338- وَحَكَى الْبَغَوِيّ هَذَا وَحَكَى طَرِيقًا آخَرَ وَاخْتَارَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اللَّيَالِي هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةِ، وَهِيَ تَنْقُصُ عَنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ بِوَاحِدٍ أَبَدًا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لَيَالِيَ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ. هَكَذَا صَرَّحُوا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَا صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ الرَّافِعِيُّ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ حِكَايَةِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ مَنْ نَذَرَ يَوْمًا لَزِمَتْهُ لَيْلَتُهُ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ دَخَلَ فِيهِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَشْرُوحَةً وَتَكُونُ اللَّيَالِي هُنَا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ كَمَا فِي الشَّهْرِ، وَلَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَفِي دُخُولِ اللَّيَالِي الْخِلَافُ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ أَحْمَدَ، وَعِنْدَنَا لَا يَلْزَمُهُ لَيْلَتَانِ، وَفِي لُزُومِ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْيَوْمَيْنِ تَثْنِيَةٌ، لِلْيَوْمِ وَلَيْسَ فِي الْيَوْمِ لَيْلَةٌ، فَكَذَا فِي الْيَوْمَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فَرْضًا لَزِمَهُ تَعْيِينُ الْفَرْضِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ دَخَلَ فِي الِاعْتِكَافِ ثُمَّ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ شَرْطَ صِحَّتِهِ فَأَشْبَهَ إذَا قَطَعَ نِيَّةَ الصَّلَاةِ. والثاني: لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانٍ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ كَالْحَجِّ".

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، احْتِرَازٌ مِنْ الْعِدَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانٍ، احْتِرَازٌ مِنْ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ.

أَمَّا الْحُكْمُ: فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِنِيَّةٍ سَوَاءٌ الْمَنْذُورُ وَغَيْرُهُ، سَوَاءٌ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا بِالنَّذْرِ لَزِمَتْهُ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ التَّطَوُّعِ، ثُمَّ إذَا نَوَى الِاعْتِكَافَ وَأَطْلَقَ كَفَاهُ ذَلِكَ، وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ شُهُورًا أَوْ سِنِينَ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَادَ احْتَاجَ إلَى اسْتِئْنَافِ النِّيَّةِ، سَوَاءٌ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَمْ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ تَامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ بِنِيَّةٍ مِنْهُ غَيْرَهَا فَاشْتِرَاطُ الدُّخُولِ الثَّانِي نِيَّةٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُخْرَى، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: فَلَوْ عَزَمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَنْ يَقْضِيَ الْحَاجَةَ ثُمَّ يَعُودُ كَانَتْ هَذِهِ الْعَزِيمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ النِّيَّةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ، فَكَيْفَ يَكْتَفِي بِعَزِيمَةٍ سَابِقَةٍ؟ .

قلت: وَوَجْهُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ النِّيَّةَ عِنْدَ إرَادَتِهِ الْخُرُوجَ صَارَ كَمَنْ نَوَى الْمُدَّتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ نَوَى صَلَاةَ النَّفْلِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَوَى فِي آخِرِهَا جَعَلَهَا أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَرْبَعًا بِلَا خِلَافٍ وَيَصِيرُ كَمَنْ نَوَى الْأَرْبَعَ، فِي أَوَّلِ دُخُولِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت