ج / 6 ص -339- هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ زَمَنًا، فَإِنْ عَيَّنَهُ بِأَنْ نَوَى الِاعْتِكَافَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ فَفِي اشْتِرَاطِ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ إذَا خَرَجَ ثُمَّ عَادَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أصحها وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي إنْ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَجِبْ التَّجْدِيدُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَرَضٍ آخَرَ اُشْتُرِطَ التَّجْدِيدُ سَوَاءٌ طَالَ الزَّمَانُ أَمْ قَصُرَ والثاني: إنْ طَالَتْ مُدَّةُ الْخُرُوجِ اُشْتُرِطَ التَّجْدِيدُ وَإِلَّا فَلَا، سَوَاءٌ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَمْ لِغَيْرِهِ والثالث: لَا يُشْتَرَطُ التَّجْدِيدُ مُطْلَقًا وَالرَّابِعُ: وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ إنْ خَرَجَ لِأَمْرٍ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي الِاعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ اُشْتُرِطَ التَّجْدِيدُ، وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا يَقْطَعُهُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ لِلِاحْتِلَامِ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ طَالَ الزَّمَانُ فَفِي اشْتِرَاطِ التَّجْدِيدِ، وَجْهَانِ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ جَارِيَةٌ فِي اعْتِكَافِ التَّطَوُّعِ وَفِيمَنْ نَذَرَ أَيَّامًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا التَّتَابُعَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِقَصْدِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، فَأَمَّا إذَا شَرَطَ التَّتَابُعَ أَوْ كَانَتْ الْأَيَّامُ الْمَنْذُورَةُ مُتَوَاصِلَةً فَسَنَذْكُرُ حُكْمَ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ مَا يَقْطَعُ الِاعْتِكَافَ الْمُتَتَابِعَ، وَمَا لَا يَقْطَعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِذَا شَرَطَ فِي اعْتِكَافِهِ خُرُوجَهُ لِشُغْلٍ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إنَّهُ يَصِحُّ شَرْطُهُ فَخَرَجَ لِذَلِكَ ثُمَّ عَادَ، فَفِي وُجُوبِ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أصحهما: عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ وُجُوبُ التَّجْدِيدِ. أَمَّا إذَا دَخَلَ فِي اعْتِكَافٍ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ قَطَعَ النِّيَّةَ وَنَوَى إبْطَالَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أصحهما: عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ وُجُوبُ التَّجْدِيدِ، أَمَّا إذَا دَخَلَ فِي اعْتِكَافٍ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ قَطَعَ النِّيَّةَ وَنَوَى إبْطَالَهُ فَهَلْ يَبْطُلُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَهُمَا مَشْهُورَانِ أصحهما: لَا يَبْطُلُ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ نَظَائِرِهَا فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ ثُمَّ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ [لِغَيْرِ عُذْرٍ] لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ لِأُرَجِّلَهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ"فَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ هُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا خَرَجَ فَقَدْ فَعَلَ مَا يُنَافِيهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَبَطَلَ كَمَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ رَأْسَهُ وَرِجْلَهُ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا. وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا خَرَجْتُ مِنْ الدَّارِ وَأَخْرَجَ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ".
الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيُدْخِلُ عَلِيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا"هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَثَبَتَ لَفْظُ الْإِنْسَانِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَيْضًا وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي لِي رَأْسَهُ. وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصْغِي إلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ إلَّا فِي رِوَايَتِهِ"يُخْرِجُ إلَيَّ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ".