فهرس الكتاب

الصفحة 2361 من 4102

ج / 6 ص -340- وَقَوْلُهَا:"مُجَاوِرٌ"أَيْ مُعْتَكِفٌ وَيُسَمَّى الِاعْتِكَافُ جِوَارًا وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ وَفِي أَلْفَاظِ التَّنْبِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ"وَقَوْلُهَا:"يُبَاشِرُنِي"أَيْ بِالْيَدِ وَنَحْوِهَا، وَالْمُبَاشَرَةُ فِي زَمَنِ الِاعْتِكَافِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.

أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا دَخَلَ فِي اعْتِكَافٍ مَنْذُورٍ شَرَطَ فِيهِ التَّتَابُعَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَهِيَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ لَمْ يَبْطُلْ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ أَخْرَجَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ رَأْسَهُ لَمْ يَبْطُلْ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَمْ لِغَيْرِهَا؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ، كَوْنَ الِاعْتِكَافِ مَنْذُورًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَنْذُورِ، كَمَا نَقَلْنَاهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَإِلَّا فَالتَّطَوُّعُ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: الَّذِي يَقْطَعُ الِاعْتِكَافَ وَيُحْوِجُ إلَى اسْتِئْنَافِ الْمَنْذُورِ أَمْرَانِ:

أحدهما: فَقْدُ بَعْضِ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ الْأُمُورُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِصِحَّتِهِ كَالْكَفِّ عَنْ الْجِمَاعِ وَكَذَا عَنْ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا طَرَءَانُ الْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ فَإِنَّهُمَا لَا يَقْطَعَانِهِ وَإِنْ كَانَا يَمْنَعَانِ انْعِقَادَهُ أَوَّلًا.

والثاني: الْخُرُوجُ بِكُلِّ الْبَدَنِ عَنْ كُلِّ الْمَسْجِدِ بِلَا عُذْرٍ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ قُيُودٍ: الأول: الْخُرُوجُ بِكُلِّ بَدَنِهِ. احْتَرَزُوا بِهِ عَمَّنْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا، وَهُوَ قَاعِدٌ مَادُّهُمَا، فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَبَقِيَ رَأْسُهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَهُوَ خَارِجٌ فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.

الْقَيْدُ الثَّانِي: الْخُرُوجُ عَنْ كُلِّ الْمَسْجِدِ، احْتَرَزُوا بِهِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَنْ الْخُرُوجِ إلَى مَنَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْقَيْدُ الثَّالِثُ: الْخُرُوجُ بِلَا عُذْرٍ، فَأَمَّا الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها وَلِأَنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ سِقَايَةٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نُقْصَانُ مُرُوءَةٍ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ كَانَ بِقُرْبَةِ بَيْتِ صَدِيقٍ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَشَمَ وَشَقَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يُكَلَّفْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيْتَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْبَعِيدِ، فَإِنْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت