ج / 6 ص -341- خَرَجَ إلَيْهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ فَأَشْبَهَ إذَا خَرَجَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْأَبْعَدِ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَأَشْبَهَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ"."
الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ سَبَقَ بَيَانُهُ وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحداها: يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَهِيَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَهُ أَيْضًا الْخُرُوجُ لَغُسْلِ الِاحْتِلَامِ بِلَا خِلَافٍ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ.
الثانية: إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ سِقَايَةٌ لَمْ نُكَلِّفْهُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِيهَا، بَلْ لَهُ الذَّهَابُ إلَى دَارِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِجَنْبِهِ دَارُ صَدِيقٍ لَهُ وَأَمْكَنَهُ دُخُولُهَا لَمْ نُكَلِّفْهُ ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
الثالثة: إذَا كَانَ لَهُ بَيْتَانِ أَحَدُهُمَا أَقْرَبُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ جَازَ الذَّهَابُ إلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ الذَّهَابُ إلَى الْأَبْعَدِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ، اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَصْحِيحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا كَانَتْ دَارُهُ بَعِيدَةً بُعْدًا فَاحِشًا - فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي طَرِيقِهِ مَوْضِعًا كَسِقَايَةٍ أَوْ بَيْتِ صَدِيقٍ يَأْذَنُ فِيهِ - فَلَهُ الذَّهَابُ إلَى دَارِهِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَ وَكَانَ لَا يَلِيقُ بِهِ دُخُولُ غَيْرَ دَارِهِ فَلَهُ الذَّهَابُ إلَى دَارِهِ، أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، حَكَاهُمَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَآخَرُونَ أصحهما: لَا يَجُوزُ الذَّهَابُ إلَى غَيْرِ دَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ جُمْلَةً مَقْصُودَةً مِنْ أَوْقَاتِ الِاعْتِكَافِ فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ إلَى مَنْزِلِهِ وَإِنْ بَعُدَ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَذَا الْوَجْهِ الْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِالْأَوَّلِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالصَّيْدَلَانِيّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْمُزَنِيّ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنْ بَعُدَ، لَا أَعْرِفُهَا لِلشَّافِعِيِّ، وَتَأَوَّلَهَا غَيْرُ أَبِي حَامِدٍ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَنْزِلُ بَعِيدًا غَيْرَ مُتَفَاحِشٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي طَرِيقَةً تُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ فِي بَعْضِهَا، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَنْزِلُ بَعِيدًا عَنْ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَلَهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ كَسِقَايَةٍ مُسْبِلَةٍ - فَإِنْ كَانَ عَادَةُ مِثْلِهِ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِي السِّقَايَةِ الْمَذْكُورَةِ - لَمْ يَجُزْ الذَّهَابُ إلَى مَنْزِلِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ الْمُتَتَابِعُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ عَادَةُ مِثْلِهِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي السِّقَايَةِ فَوَجْهَانِ، قَالَ: وَهُمَا شَبِيهَانِ بِالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ هُدِّدَ بِمَا يُذْهِبُ مُرُوءَتَهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إكْرَاهًا أَمْ لَا؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.