ج / 6 ص -345- وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ فِي فَرْعٍ بَعْدَ هَذَا التَّصْرِيحِ بِخِلَافِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رحمه الله تعالى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَا رَحَبَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ بَلْ تَكُونُ مُنْفَصِلَةً عَنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إلَيْهَا لِغَيْرِ الْأَذَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الْمُؤَذِّنِ أَوْجُهٌ أصحها لَا يَبْطُلُ فِي الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدِ وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ والثاني: يَبْطُلُ فِيهِمَا والثالث: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا، وَهَذَا ظَاهِرُ النَّصِّ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ، لَكِنْ يُتَأَوَّلُ كَلَامُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَكْثَرِينَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ، فَيُقَالُ: مُرَادُهُ إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ رَاتِبًا، وَهَكَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: إذَا كَانَتْ الْمَنَارَةُ خَارِجَةً عَنْ الْمَسْجِدِ وَالرَّحْبَةِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لَهُ صُعُودَهَا لِلْأَذَانِ، وَلَا يَضُرُّهُ فِي اعْتِكَافِهِ، قَالَا: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَمَنْ مَنَعَهُ تَأَوُّلَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمَنَارَةُ فِي الرَّحْبَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِصُعُودِ الْمَنَارَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، أَخَذَ بِظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ: يَبْطُلُ، حَمَلَهُ عَلَى الْمَنَارَةِ الَّتِي فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ: إنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ كَانَتْ خَارِجًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْعَادَةِ لَا يَعُدُّونَ الرَّحْبَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ حَمَلَ النَّصَّ عَلَى الرَّاتِبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِي مَنَارَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ مَبْنِيَّةٌ لَهُ، فَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِالذَّهَابِ إلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ، وَسَوَاءٌ الرَّاتِبُ وَغَيْرُهُ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَآخَرُونَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: فَرَضَ الْغَزَالِيُّ الْمَسْأَلَةَ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ بَابُ الْمَنَارَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهِيَ مُلْصَقَةٌ بِحَرِيمِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْجُمْهُورُ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ سِوَى كَوْنِ بَابِهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَزَادَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - فَذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَنَارَةُ فِي رَحَبَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ الْمَسْجِدِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ طَرِيقٌ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ لَا يُخَالِفُ مَا نَقَلْتُهُ مِنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْرِطُوا مَا شَرَطَهُ الْغَزَالِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ - قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ - وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَنَارَةِ قلت: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنَارَةٍ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهَا إلَيْهَا كَمَا سَبَقَ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَنَارَةَ الَّتِي فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ وَغَيْرِهِ صُعُودُهَا، وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ. وَمِنْ الْمُهِمِّ بَيَانُ حَقِيقَةِ هَذِهِ الرَّحْبَةِ. قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ: الْمُرَادُ بِالرَّحْبَةِ مَا كَانَ مُضَافًا إلَى الْمَسْجِدِ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ، قَالَا: وَالرَّحْبَةُ مِنْ الْمَسْجِدِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِي الرَّحْبَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ