ج / 7 ص -119- قَوْلَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ جَمِيعِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ فِطْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وأما: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يُكْرَهُ صَوْمُهُ فَخِلَافُ عِبَارَةِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ هَذَا إذَا تَقَدَّمَ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ عَلَى الْيَوْمِ السَّادِسِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّوْمِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ السَّادِسِ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَوَقَّعْ هَدْيًا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ عَلَى السَّابِعِ، لِيُمْكِنَهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ، وأما: وَاجِدُ الْهَدْيِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الثَّلَاثَةِ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا عَنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"المختصر"، وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ. وَدَلِيلُهُ قوله تعالى: {ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا فَاتَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ يَسْقُطُ الصَّوْمُ وَيَسْتَقِرُّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَحَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَحَكَاهُ صاحب"البيان"وَآخَرُونَ عَنْهُمَا. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَحْصُلُ فَوَاتُهَا بِفَوَاتِ يَوْمِ عَرَفَةَ إنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ حَصَلَ الْفَوَاتُ بِخُرُوجِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَفُوتُ بِخُرُوجِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَأَنْ يُعِيدَ فِي الْحَجِّ، وَكَانَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ التَّشْرِيقِ قَضَاءً وَإِنْ بَقِيَ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] . هَكَذَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ، وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فإن قلنا: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهَا فَصَامَهَا كَانَ صَوْمُهَا أَدَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وأما: السَّبْعَةُ فَوَقْتُهَا إذَا رَجَعَ، وَفِي الْمُرَادِ بِالرُّجُوعِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أصحهما: عِنْدَ الْأَصْحَابِ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"المختصر"وَحَرْمَلَةَ، والثاني أَنَّهُ الْفَرَاغُ مِنْ الْحَجِّ، وَهُوَ نَصُّهُ في"الإملاء"فإذا قلنا: بِالْوَطَنِ فَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا يُقْصَدُ اسْتِيطَانُهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ، سَوَاءٌ كَانَ بَلَدُهُ الْأَوَّلَ أَمْ غَيْرَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَوَطَّنَ مَكَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ صَامَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَطَّنْهَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ بِهَا، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى وَطَنِهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أصحهما: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، والثاني فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، والثاني يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى رَاجِعًا. حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ.
وإن قلنا: الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ الْفَرَاغُ فَأَخَّرَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ جَازَ، وَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَمْ التَّقْدِيمُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أصحهما: التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ شَيْءٍ مِنْ السَّبْعِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا صِيَامَهَا لِغَيْرِهِ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَاجِعًا، وَلِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي الْحَجِّ وَإِنْ تَحَلَّلَ. وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِنًى، وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ هَذَا قَوْلًا غَيْرَ قَوْلِ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ قَوْلًا آخَرَ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ