ج / 7 ص -120- رَجَعَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عَجَبٌ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ غَيْرُ الْفَرَاغِ فَقَدْ يَفْرُغُ وَيَتَأَخَّرُ عَنْ مَكَّةَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا بَعْدَ التَّشْرِيقِ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا فِي مَعْنَى نَصِّهِ في"الإملاء"قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا الْبَصْرِيُّونَ: مَذْهَبُهُ في"الإملاء"أَنَّهُ يَصُومُهَا بَعْدَ شُرُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ، وَلَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي مَكَّةَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ: مَذْهَبُهُ في"الإملاء"أَنَّهُ يَصُومُهَا إذَا رَجَعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِنًى بَعْدَ فَرَاغِ مَنَاسِكِهِ، سَوَاءٌ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ خَرَجَ مِنْهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. حَكَاهُ أَيْضًا صاحب"الشامل"وَآخَرُونَ فَحُصِلَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّجُوعِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أصحها: إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، والثاني إذَا تَوَجَّهَ مِنْ مَكَّةَ رَاجِعًا إلَى أَهْلِهِ، والثالث: إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ، والرابع: إذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى مَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وأما: مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَلَا يَجُوزُ صِيَامُهُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ أَمْ الْفَرَاغِ، سَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِيهِ وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا قُلْنَا: الرُّجُوعُ الْفَرَاغُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ وَرَجَعَ، لَزِمَهُ صَوْمُ الْعَشَرَةِ، فَالثَّلَاثَةُ قَضَاءٌ وَالسَّبْعَةُ أَدَاءٌ، وَفِي الثَّلَاثَةِ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ السَّابِقُ أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا، بَلْ تَسْتَقِرُّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ هَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَقِيلَ وَجْهَانِ، وَهُمَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا: أصحهما: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ: يَجِبُ، قَالَ صاحب"الشامل": وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، مِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وأصحهما: عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَا يَجِبُ فَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ تَفْرِيقُ الْأَدَاءِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: لَا، بَلْ يَكْفِي التَّفْرِيقُ بِيَوْمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في"الإملاء"وَبِهِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وأصحهما: يَجِبُ، وَفِي قَدْرِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ تَتَوَلَّدُ مِنْ أَصْلَيْنِ سَبَقَا، وَهُمَا صَوْمُ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ مِنْ مَاذَا؟.
فإن قلنا: بِالْأَصَحِّ: إنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَيْسَ لَهُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ رُجُوعُهُ إلَى الْوَطَنِ فَالتَّفْرِيقُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَمُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَى أَهْلِهِ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وإن قلنا: لَهُ صَوْمُهَا، وَالرُّجُوعُ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْوَطَنِ، فَالتَّفْرِيقُ بِمُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ فَقَطْ، وإن قلنا: لَهُ صَوْمُهَا وَالرُّجُوعُ الْفَرَاغُ فَوَجْهَانِ: أصحهما: لَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَدَاءِ تَفْرِيقٌ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ والثاني يَجِبُ التَّفْرِيقُ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيعَ كُلَّهُ عَلَى وُجُوبِ التَّفْرِيقِ.
فَإِنْ أَرَدْتَ اخْتِصَارَ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَجِيءُ فِيمَنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ كَانَتْ سِتَّةً: إحداها: لَا صَوْمَ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْهَدْيِ، والثاني عَلَيْهِ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ مُتَتَابِعَةٍ، والثالث: عَشَرَةٌ وَيُفَرِّقُ بِيَوْمٍ فَصَاعِدًا، والرابع: يُفَرِّقُ بِأَرْبَعَةٍ فَقَطْ، والخامس: يُفَرِّقُ بِمُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ، وَالسَّادِسُ: بِأَرْبَعَةٍ وَمُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ، وَهَذَا أَصَحُّهَا فَلَوْ صَامَ عَشَرَةً مُتَوَالِيَةً وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: وَهُوَ وُجُوبُ قَضَاءِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَأَهُ إنْ لَمْ نَشْتَرِطْ التَّفْرِيقَ، فَإِنْ شَرَطْنَاهُ وَاكْتَفَيْنَا بِالتَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِالْيَوْمِ الرَّابِعِ وَيُسْتَحَبُّ مَا بَعْدَهُ، فَيَصُومُ يَوْمًا آخَرَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَفِي وَجْهٍ لَا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ سِوَى الثَّلَاثَةِ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَآخَرُونَ، وَفِي وَجْهِ الْإِصْطَخْرِيِّ لَا يُعْتَدُّ بِالثَّلَاثَةِ أَيْضًا إذَا نَوَى السَّابِعَ، وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ، وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْأَخِيرَ