ج / 7 ص -122- وَفِيهَا الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ: وَأَصَحُّهَا الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ دَمٌ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم، وَلِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي وَقْتِ أَحَدِهِمَا فَلَأَنْ يَجِبَ عَلَى الْقَارِنِ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ التَّمَتُّعِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ".
الشرح: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يَلْزَمُ الْقَارِنَ دَمٌ بِلَا خِلَافٍ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ التَّمَتُّعِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ وَتَفْرِيعُهُ وَهَذَا الدَّمُ شَاةٌ كَدَمِ التَّمَتُّعِ كَمَا سَبَقَ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا الْحَنَّاطِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فَحَكَيَا قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّهُ بَدَنَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَابْنِهِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد: لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَبِالشَّاةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً سِوَى مَنْ ذَكَرْنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"المختصر": الْقَارِنُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ الْمُتَمَتِّعِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الرَّدَّ عَلَى الشَّعْبِيِّ لِأَنَّ الْقَارِنَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ. مِنْ الْمِيقَاتِ بِخِلَافِ الْمُتَمَتِّعِ فَإِذَا كَفَى الْمُتَمَتِّعَ شَاةٌ فَالْقَارِنُ أَوْلَى، قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَدَّ عَلَى طَاوُسٍ لِأَنَّ الْقَارِنَ أَقَلُّ فِعْلًا مِنْ الْمُتَمَتِّعِ، فَإِذَا لَزِمَ الْمُتَمَتِّعَ الدَّمُ، فَالْقَارِنُ أَوْلَى، وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسَائِرُ شُرَّاحِ المختصر، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ هُوَ نَصُّهُ فِي"الْقَدِيمِ"وَالثَّانِي هُوَ نَصُّهُ في الجديد.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"المختصر": فَإِنْ مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ تَصَدَّقَ عَمَّا فَاتَهُ صَوْمُهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ مِنْ حِنْطَةٍ، هَذَا نَصُّهُ، وَقَالَ في"الأم"إذَا أَحْرَمَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْحَجِّ لَزِمَهُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يُهْدَى عَنْهُ، والثاني لَا هَدْيَ وَلَا طَعَامَ. هَذَا نَصُّهُ في"الأم"، قَالَ أَصْحَابُنَا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إذَا مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ - وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْهَدْيِ، وَلَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ وَجَبَ إخْرَاجُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِلَا خِلَافٍ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أصحهما: لَا يَسْقُطُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَلَا يَسْقُطُ، فَيَجِبُ إخْرَاجُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَمُ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ دَمُ اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ، والثاني يَسْقُطُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالتَّمَتُّعِ لِتَحْصِيلِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَحْصُلْ الْحَجُّ بِتَمَامِهِ. هَكَذَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ صُورَةَ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا مَاتَ قَبْلَ فَرَاغِ الْحَجِّ وَهُوَ مُوسِرٌ، وَذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ فَرَاغِ أَرْكَانِ الْحَجِّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَرْكَانِ، وَقَدْ بَقِيَ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ لَزِمَ الدَّمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ حَصَلَ.
هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ وَاجِدُ الْهَدْيِ، فَإِنْ مَاتَ مُعْسِرًا فَقَدْ مَاتَ وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ فَقَوْلَانِ: أصحهما: يَسْقُطُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، والثاني يُهْدَى عَنْهُ، قال