ج / 7 ص -129- فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: الِاعْتِبَارُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ لَا بِاسْمِ الْقَرْيَةِ وَالْبِنَاءِ، فَلَوْ خَرِبَ بَعْضُهَا وَنُقِلَتْ عِمَارَتُهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنْهُ وَسُمِّيَ بِاسْمِ الْأَوَّلِ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ، بَلْ الِاعْتِبَارُ بِمَوْضِعِ الْأَوَّلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِكُلِّ مَنْ أَتَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دَارُهُ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ، ثُمَّ كَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ".
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَلَفْظُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَرَّ شَامِيٌّ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ أَوْ الْمَدِينَةِ، أَوْ عِرَاقِيٌّ مِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ، فَمِيقَاتُهُ مِيقَاتُ الْإِقْلِيمِ الَّذِي مَرَّ بِهِ، وَهَكَذَا عَادَةُ حَجِيجِ الشَّامِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِالْمَدِينَةِ فَيَكُونُ مِيقَاتُهُمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا مِيقَاتَ فِيهِ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَمِيقَاتُهُ إذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ لِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه لَمَّا اجْتَهَدَ فِي مِيقَاتِ أَهْلِ الْعِرَاقِ اعْتَبَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ".
الشرح: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجْتَهِدُ فَيُحْرِمُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ حَذْوُ أَقْرَبِ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ، قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَظْهِرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ قَدْ حَاذَى الْمِيقَاتَ أَوْ فَوْقَهُ، وَأَشَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه"إلَى وُجُوبِ هَذَا الِاسْتِظْهَارِ، وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وأما: إذَا أَتَى مِنْ نَاحِيَةٍ وَلَمْ يَمُرَّ بِمِيقَاتٍ وَلَا حَاذَاهُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ اعْتِبَارًا بِفِعْلِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي تَوْقِيتِهِ ذَاتَ عِرْقٍ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا مِيقَاتَ فِيهِ لَكِنْ حَاذَى مِيقَاتَيْنِ طَرِيقُهُ بَيْنَهُمَا - فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إلَى مَكَّةَ - فَمِيقَاتُهُ مَا يُحَاذِيهِمَا، وَإِنْ تَفَاوَتَا فِيهِمَا وَتَسَاوَيَا فِي الْمَسَافَةِ إلَى طَرِيقِهِ فَوَجْهَانِ: أحدهما: يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ أَحْرَمَ مِنْ الْمُحَاذِي لِأَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ لِأَقْرَبِهِمَا وأصحهما: يَتَعَيَّنُ مُحَاذَاةُ أَبْعَدِهِمَا، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مُحَاذَاةُ مِيقَاتَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِانْحِرَافِ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ وَالْتِوَائِهِ، أَوْ لِوُعُورَةٍ وَغَيْرِهَا، فَيُحْرِمُ مِنْ الْمُحَاذَاةِ، وَهَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى أَبْعَدِ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ أَقْرَبِهِمَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، قَالَ: وَفَائِدَتُهُمَا أَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَانْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ يُفْضِي إلَيْهِ طَرِيقَا الْمِيقَاتَيْنِ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ لِرَفْعِ الْإِسَاءَةِ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ الْمُحَاذَاةِ هَلْ يَرْجِعُ إلَى هَذَا الْمِيقَاتِ؟ أَمْ إلَى ذَاكَ؟ وَلَوْ تَفَاوَتَ الْمِيقَاتَانِ فِي الْمَسَافَةِ إلَى مَكَّةَ وَإِلَى طَرِيقِهِ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْقُرْبِ إلَيْهِ؟ أَمْ إلَى مَكَّةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَمَنْ كَانَتْ دَارُهُ فَوْقَ الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا قَالَا:"إتْمَامُهُمَا أَنْ"