فهرس الكتاب
ج / 7 ص -224- قَصَدَ مَسَّ الطِّيبِ، والثاني لَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ، فَأَشْبَهَ إذَا جَهِلَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ. وَإِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ أَوْ قَلَّمَ الظُّفْرَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، فَاسْتَوَى فِي ضَمَانِهِ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ"كَإِتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ"وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ مُخَرَّجٌ أَنَّهُ لَا تَجِبُ. لِأَنَّهُ تُرْفَةٌ وَزِينَةٌ، فَاخْتَلَفَ فِي فِدْيَتِهِ السَّهْوُ وَالْعَمْدُ كَالطِّيبِ. وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ الْمَالِ فَاسْتَوَى فِيهِ السَّهْوُ وَالْعَمْدُ، وَالْعِلْمُ وَالْجَهْلُ، كَضَمَانِ مَالِ الْآدَمِيِّينَ، وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ جُنَّ وَقَتَلَ صَيْدًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، والثاني لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ تَعَبُّدٌ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعَبُّدِ فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانٌ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ نَقَلَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إلَى النَّاسِي، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قال: في"الجديد": لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ، فَاخْتَلَفَ فِي الْوَطْءِ فِيهَا الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ كَالصَّوْمِ، وقال فِي"الْقَدِيمِ": يَفْسُدُ حَجُّهُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ الْحَجِّ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ كَالْفَوَاتِ.
الشرح: حَدِيثُ يَعْلَى صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي"صَحِيحَيْهِمَا"وَسَبَقَ بَيَانُ الْجِعْرَانَةِ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ. قَوْلُهُ:"وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ"أَيْ مُخَرَّجٌ مِنْ الطِّيبِ، قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تُرْفَةٌ وَزِينَةٌ احْتِرَازٌ مِنْ إتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ، وَمَنْ إتْلَافِ الصَّيْدِ، قَوْلُهُ:"لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ"احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ. قَوْلُهُ:"يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ الْحَجِّ"احْتِرَازٌ مِنْ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ الْمَالِ يَعْنِي أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ قَتْلِ الْآدَمِيِّ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ: إحداها: إذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، أَوْ نَاسِيًا الْإِحْرَامَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا الْمُزَنِيَّ فَأَوْجَبَهَا. دَلِيلُ الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ ذَكَرَ مَا فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ عَلِمَ مَا فَعَلَهُ جَاهِلًا، لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ بِإِزَالَةِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَلَهُ نَزْعُ الثَّوْبِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ شَقُّهُ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ شَرَعَ فِي الْإِزَالَةِ وَطَالَ زَمَانُهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ أَخَّرَ الْإِزَالَةَ مَعَ إمْكَانِهَا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، سَوَاءٌ طَالَ الزَّمَانُ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ مُتَطَيِّبٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِلَا عُذْرٍ، وَإِنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ إزَالَةُ الطِّيبِ أَوْ اللِّبَاسِ بِأَنْ كَانَ أَقْطَعَ أَوْ بِيَدِهِ عِلَّةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، أَوْ عَجَزَ عَمَّا يُزِيلُ بِهِ الطِّيبَ فَلَا فِدْيَةَ مَا دَامَ الْعَجْزُ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَمَتَى تَمَكَّنَ وَلَوْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، لَزِمَهُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِزَالَةِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ وَجَهِلَ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ، وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ، وَهُوَ كَمَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ أَوْ سَرَقَ عَالِمًا تَحْرِيمَ ذَلِكَ، جَاهِلًا وُجُوبَ الْحَدِّ، فَيَجِبُ الْحَدُّ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ وَجَهِلَ كَوْنَ الْمَمْسُوسِ طِيبًا فَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ فِي وُجُوبِهَا وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ وَلَكِنَّهُ اعْتَقَدَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ،