فهرس الكتاب

الصفحة 2621 من 4102

ج / 7 ص -230- إيجَابِ الْفِدْيَةِ، قَالَ: وَأَقْرَبُ مَسْلَكٍ فِيهِ أَنَّ الشَّعْرَ فِي حَقِّ الْحَلَالِ كَصَيْدِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ لَوْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ جَازَ وَلَا فِدْيَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَى الْحَالِقِ صَدَقَةٌ كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ. دَلِيلُنَا أَنَّهُ حَلَقَ شَعْرًا لا حُرْمَةَ لَهُ بِخِلَافِ شَعْرِ الْمُحْرِمِ، وَلَوْ حَلَقَ حَلَالٌ شَعْرَ مُحْرِمٍ نَائِمٍ أَوْ مُكْرَهٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْحَالِقِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ عَلَى الْمَحْلُوقِ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْحَالِقِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مَنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِ الْمُحْرِمِ فَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحُكَّ شَعْرَهُ بِأَظْفَارِهِ حَتَّى لَا يَنْتَثِرَ شَعْرُهُ، فَإِنْ انْتَثَرَ مِنْهُ شَعْرُهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُفَلِّيَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، فَإِنْ فَلَّى وَقَتَلَ قَمْلَةً اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَأَيُّ شَيْءٍ فَدَاهَا بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، فَإِنْ ظَهَرَ الْقَمْلُ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُنَحِّيَهُ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَكْتَحِلَ بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ، لِأَنَّهُ زِينَةٌ، وَالْحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْرَهْ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْحَلْقِ وَالطِّيبِ لِلْحَاجَةِ، فَلَأَنْ لَا يُكْرَهَ مَا يَحْرُمُ أَوْلَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ وَيَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ، لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ"وَيَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ شَعْرَهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ:"اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ"وَيَجُوزُ أَنْ يَحْتَجِمَ مَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ"وَيَجُوزُ أَنْ يَفْتَصِدَ أَيْضًا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَجِمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَظِلَّ سَائِرًا وَنَازِلًا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ بِنَمِرَةَ"وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ ذَلِكَ بِالْحَرِّ نَازِلًا وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ سَائِرًا قِيَاسًا عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الثِّيَابَ الْمُصْبَغَةَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه رَأَى عَلَى طَلْحَةَ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّهْطُ أَنْتُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ، وَلَوْ أَنَّ جَاهِلًا رَأَى عَلَيْكَ ثَوْبَيْكَ لَقَالَ: قَدْ كَانَ طَلْحَةُ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصْبَغَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَا يَلْبَسُ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ فِي الْإِحْرَامِ شَيْئًا".

وَيُكْرَهُ أَنْ يَحْمِلَ بَازًا أَوْ كَلْبًا مُعَلَّمًا لِأَنَّهُ يُنَفِّرُ بِهِ الصَّيْدَ، وَرُبَّمَا انْفَلَتَ فَقَتَلَ صَيْدًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزِّهَ إحْرَامَهُ مِنْ الْخُصُومَةِ وَالشَّتْمِ وَالْكَلَامِ الْقَبِيحِ، لقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفُسُوقُ الْمُنَابَذَةُ بِالْأَلْقَابِ، وَتَقُولُ لِأَخِيكَ: يَا ظَالِمُ يَا فَاسِقُ، وَالْجِدَالُ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الشرح: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُ رِوَايَتِهِمَا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ"وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ وَحَدِيثُهُ فِي الْحِجَامَةِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأما حديث جَابِرٍ فِي الْقُبَّةِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد فِي جُمْلَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، الَّذِي اسْتَوْعَبَ فِيهِ صِفَةَ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَفْظِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت