فهرس الكتاب
ج / 8 ص -26- لَكِنَّهُ خَالَفَ الْأَوْلَى. كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِي الْقَلْبِ مِنْ إدْخَالِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهَا الْمَسْجِدَ شَيْءٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيثَاقُ فَذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِدْخَالُهَا الْمَسْجِدَ مَكْرُوهٌ. هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِكَرَاهَةِ الطَّوَافِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، مِنْهُمْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي"الْحَاوِي"وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْعَبْدَرِيُّ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ فِي الرُّكُوبِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَحُكْمُ طَوَافِ الْمَحْمُولِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ كَالرَّاكِبِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، قَالَ: وَإِذَا كَانَ مَعْذُورًا فَطَوَافُهُ مَحْمُولًا أَوْلَى مِنْهُ رَاكِبًا صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ الدَّابَّةِ، قَالَ وَرُكُوبُ الْإِبِلِ أَيْسَرُ مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا فِي طَوَافِ الرَّاكِبِ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْمَاشِي أَوْلَى مِنْ طَوَافِ الرَّاكِبِ، فَلَوْ طَافَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّ طَوَافُهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْحَالَيْنِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَافَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَافَ رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَاحْتَجَّا بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ كَالصَّلَاةِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، قَالُوا: إنَّمَا:"طَافَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَاكِبًا لِشَكْوَى عَرَضَتْ لَهُ". كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي"سُنَنِهِ"بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ طَوَافَهُ صلى الله عليه وسلم رَاكِبًا لَمْ يَكُنْ لِمَرَضٍ، بَلْ كَانَ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْأَلُوهُ وَلَا يُزَاحِمُوا عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفَرَّدَ بِهَا يَزِيدُ هَذَا أَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ رَاكِبًا إذَا كَانَتْ فَرِيضَةً، وَقَدْ سَلَّمُوا صِحَّةَ الطَّوَافِ، وَلَكِنْ ادَّعَوْا وُجُوبَ الدَّمِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ طَافَ زَحْفًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَشْيِ فَطَوَافُهُ صَحِيحٌ لَكِنْ يُكْرَهُ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي أَثْنَاءِ دَلَائِلِ مَسْأَلَةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ فَقَالَ: طَوَافُهُ زَحْفًا كَطَوَافِهِ مَاشِيًا مُنْتَصِبًا، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ حَمَلَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ وَنَوَيَا لَمْ يُجْزِ عَنْهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ طَوَافَانِ، وَلِمَنْ يَكُونُ الطَّوَافُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: لِلْمَحْمُولِ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ كَالرَّاحِلَةِ والثاني: أَنَّهُ لِلْحَامِلِ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ وَإِنَّمَا الْفِعْلُ لِلْحَامِلِ فَكَانَ الطَّوَافُ لَهُ.
الشرح: هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ"التَّعْلِيقِ": نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي"الْإِمْلَاءِ"أَنَّ الطَّوَافَ لِلْحَامِلِ، وَنَصَّ فِي"مُخْتَصَرِ الْحَجِّ"أَنَّهُ لِلْمَحْمُولِ وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لِلْحَامِلِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ