فهرس الكتاب
ج / 8 ص -29- الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِك حَفِيًّا"وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: إنَّك حَجَرٌ وَإِنَّك لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ هَذَا الْكَلَامَ وَيَشِيعَ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ كَانَ عَهْدُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ قَرِيبًا بِعِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَتَعْظِيمِهَا وَاعْتِقَادِ ضُرِّهَا وَنَفْعِهَا، فَخَافَ أَنْ يَغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ مَا قَالَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ فَغَرِيبٌ1 فَيُغْنِي فِي الدَّلَالَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي سَبَقَ الْآنَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا"فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَأَمَّا حَدِيثُ:"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ الطَّوَافِ سَبْعًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَكَانَ كَذَّابًا. وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَاسْتَدَلَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ:"كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْخُلُ مَكَّةَ ضُحًى فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ"وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ) فَفِيهِ الِاسْتِلَامُ، بِكَسْرِ التَّاءِ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ، كَمَا يُقَالُ: اقْتَرَأْتُ السَّلَامَ، قَالَ: وَلِذَلِكَ يُسَمِّي أَهْلُ الْيُمْنِ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، الْمُحَيَّا: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يُحْيُونَهُ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ السِّلَامِ - بِكَسْرِ السِّينِ - وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَاحِدَتُهَا سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ. تَقُولُ اسْتَلَمْت الْحَجَرَ إذَا لَمَسْته كَمَا تَقُولُ: اكْتَحَلْت مِنْ الْكُحْلِ، هَذَا كَلَامُ الْهَرَوِيِّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِالْقُبْلَةِ أَوْ بِالْيَدِ، قَالَ وَلَا يُهْمَزُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّلَامِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ، قَالَ: وَهَمَزَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ صَاحِبُ"الْمُحْكَمِ": اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَاسْتِلَامُهُ بِالْهَمْزِ أَيْ قَبَّلَهُ أَوْ اعْتَنَقَهُ قَالَ: وَلَيْسَ أَصْلُهُ الْهَمْزُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي"الْوَسِيطِ": الِاسْتِلَامُ هُوَ أَنْ يُقَبِّلَ الْحَجَرَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَفِي آخِرِهِ، بَلْ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ بِالزَّحْمَةِ مَسَّهُ بِالْيَدِ، فَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَغَلَّطُوهُ فِي تَفْسِيرِهِ الِاسْتِلَامَ بِالتَّقْبِيلِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ هُوَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَالتَّقْبِيلُ سُنَّةٌ أُخْرَى مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَيَسْتَمِرُّ تَصْحِيحُهُ، مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ وَصَاحِبِ"الْمُحْكَمِ".
قَوْلُهُ:"اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ"فَهُوَ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَهِيَ عَصَا مُعَقَّفَةُ الرَّأْسِ كَالصَّوْلَجَانِ وَجَمْعُهُ مَحَاجِنُ. قَوْلُهُ:"إيمَانًا بِك"أَيْ أَفْعَلُ هَذَا لِلْإِيمَانِ بِك. قَوْلُهُ:"عَلَى يَسَارِهِ"بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَفْصَحُهُمَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْفَتْحُ، وَعَكَسَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. قَوْلُهُ:"عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَاسْتُحِقَّ فِيهَا التَّرْتِيبُ"احْتِرَازٌ مِنْ تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَقَضَاءِ الصَّوْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فإنه أبو مالك سعد بن طارق بن أشيم بإسكان الشين المعجمة الأشجعي التابعي الكوفي سمع أباه وهو صحابي وأنسًا وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهم وسمع جماعات من التابعين. روى عنه الثوري وشعبة وأبو عوانة وعبد الواحد بن زياد ويزيد بن هارون وآخرون واتفقوا على توثيقه، روى له مسلم في"صحيحه"حديثين.