فهرس الكتاب
ج / 8 ص -30- أما الأحكام: فَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ إحداها: يَجِبُ ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ، حَتَّى يَصِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَإِذَا وَصَلَهُ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَوَافِهِ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي أَوَّلِ طَوَافِهِ بِوَجْهِهِ وَيَدْنُوَ مِنْهُ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا، وَإِذَا أَرَادَ هَذَا الِاسْتِقْبَالَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى جَانِبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَصِيرُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ، ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ، ثُمَّ يَمْشِي مُسْتَقْبِلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَجَرَ فَإِذَا جَاوَزَهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَانْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَيَمِينَهُ إلَى خَارِجٍ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ وَتَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
الثَّالِثَةُ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَطَرِيقُهُ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ الْآنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقِفَ قِبَلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي، ثُمَّ يَمُرُّ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ طَائِفًا حَوْلَ الْبَيْتِ، فَيَمُرُّ جَمِيعُهُ بِجَمِيعِ الْحَجَرِ وَلَا يُقَدِّمُ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ، فَلَوْ حَاذَاهُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ وَكَانَ بَعْضُهُ مُجَاوِزًا إلَى جِهَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَكَذَا ذَكَرَهُمَا الْأَصْحَابُ قَوْلَيْنِ إلَّا إمَامَ الْحَرَمَيْنِ الْغَزَالِيِّ فَحَكَوْهُمَا وَجْهَيْنِ. وَالصَّوَابُ قَوْلَانِ"الْجَدِيدُ"لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ"وَالْقَدِيمُ"يُجْزِئُهُ، وَلَوْ حَاذَى بِجَمِيعِ الْبَدَنِ بَعْضَ الْحَجَرِ - إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ - صَحَّ طَوَافُهُ بِلَا خِلَافٍ. صَرَّحَ بِهِ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالُوا: كَمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِي الصَّلَاةِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بَعْضَ الْكَعْبَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ الْحَجَرِ جَازَتْ مُحَاذَاتُهُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، أَيْ لَمَّا جَازَتْ مُحَاذَاةُ بَعْضِ الْحَجَرِ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ بِلَا خِلَافٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مُحَاذَاةُ كُلِّ الْحَجَرِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ"الْعُدَّةِ"وَغَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ وَالْمَذْهَبُ: مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ: يَنْبَغِي لَهُ فِي طَوَافِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَمِينُهُ إلَى خَارِجٍ وَيَدُورَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ كَذَلِكَ، فَلَوْ خَالَفَ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ، وَمَرَّ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا يَسَارِهِ، بَلْ اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ مُعْتَرِضًا وَطَافَ كَذَلِكَ، أَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ وَمَشَى قَهْقَرَى إلَى جِهَةِ الْبَابِ، فَفِي صِحَّةِ طَوَافِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِعِبَارَةِ الْأَكْثَرِينَ، وَجَزَمَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي فِي صُورَةِ مَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَمَشَى قَهْقَرَى بِأَنَّهُ يَصِحُّ، لَكِنْ يُكْرَهُ وَالْأَصَحُّ: الْبُطْلَانُ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكَانَ الْقِيَاسُ جَرَيَانَ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ مَرَّ مُعْتَرِضًا مُسْتَدْبِرًا هَذَا كَلَامُهُ وَالصَّوَابُ: فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ مُنَابِذٌ لِمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ بِيَدِهِ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَيُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَعَ الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ بِأَنْ يَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَيْهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَ السُّجُودَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الثَّلَاثِ فَعَلَ الْمُمْكِنَ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ"الْعُدَّةِ"و"الْبَيَانِ". وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ