فهرس الكتاب
ج / 8 ص -31-"أَنَّهُ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ: رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ هَكَذَا فَفَعَلْت".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ:"رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مُلَبِّدًا رَأْسَهُ فَقَبَّلَ الرُّكْنَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْجُدُ عَلَى الْحَجَرِ"قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُشِيرَ إلَى الْقُبْلَةِ بِالْفَمِ إذَا تَعَذَّرَتْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ الْقُبْلَةَ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهَا صَوْتٌ.
فرع: إذَا مَنَعَتْهُ الزَّحْمَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ التَّقْبِيلِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَهُ الِاسْتِلَامُ اسْتَلَمَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ بِالْيَدِ إلَى الِاسْتِلَامِ، وَلَا يُشِيرُ بِالْفَمِ إلَى التَّقْبِيلِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ يُقَبِّلُ الْيَدَ بَعْدَ الِاسْتِلَامِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِزَحْمَةٍ وَنَحْوِهَا، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَلِمَ ثُمَّ يُقَبِّلَ الْيَدَ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَبِّلَ الْيَدَ ثُمَّ يَسْتَلِمَ بِهَا، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ ثُمَّ يُقَبِّلُهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِلَامِ بِالْيَدِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَلِمَ بِعَصَا وَنَحْوِهَا، لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ أَشَارَ بِيَدِهِ، أَوْ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ إلَى الِاسْتِلَامِ ثُمَّ قَبَّلَ مَا أَشَارَ بِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَا ذَكَرْته فِي هَذَا الْفَرْعِ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"وَإِذَا أَمَرَتْكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ:"رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ"، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَعَذُّرِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيثُ فِي اسْتِلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَجَرَ بِالْمِحْجَنِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَلَا اسْتِلَامُهُ إلَّا عِنْدَ خُلُوِّ الْمَطَافِ فِي اللَّيْلِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِهِنَّ وَضَرَرِ الرِّجَالِ بِهِنَّ.
فرع: لِلْكَعْبَةِ الْكَرِيمَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ، ثُمَّ الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ ثُمَّ الرُّكْنُ الْيَمَانِي، وَيُقَالُ لِلْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِي: الْيَمَانِيَانِ - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، فَالْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِي مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم وَالشَّامِيَّانِ لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِهِ، بَلْ مُغَيَّرَانِ؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ يَلِيهِمَا، وَكُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مِنْ الْبَيْتِ كَمَا سَبَقَ وَلِلرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فَضِيلَتَانِ: كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم وَلِلرُّكْنِ الْيَمَانِي فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لِلشَّامِيِّينَ شَيْءٌ مِنْ الْفَضِيلَتَيْنِ، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَالسُّنَّةُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ، وَالسُّنَّةُ فِي الرُّكْنِ الْيَمَانِي اسْتِلَامُهُ وَلَا يُقَبَّلُ، وَالسُّنَّةُ لَا يُقَبَّلُ الشَّامِيَّانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ، فَخَصَّ الْأَسْوَدَ بِالتَّقْبِيلِ مَعَ الِاسْتِلَامِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَتَيْنِ، وَالْيَمَانِيَ بِالِاسْتِلَامِ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً، وَانْتَفَتْ الْفَضِيلَتَانِ فِي الشَّامِيَّيْنِ.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا لِمَا ذَكَرْته بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"مَا تَرَكْت اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُنْذُ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ