فهرس الكتاب
ج / 8 ص -41- وَبِإِسْنَادِهِمَا الصَّحِيحِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ:"طُفْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَمَا سَمِعْتُ وَاحِدًا مِنْهُمَا مُتَكَلِّمًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ".
أما الأحكام: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يَجُوزُ الْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ وَلَا يُكْرَهُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا فِي خَيْرٍ، كَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ تَعْلِيمِ جَاهِلٍ أَوْ جَوَابِ فَتْوَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إلَى إنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: قُدْ بِيَدِهِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَهَذَا الْقَطْعُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ إزَالَةَ هَذَا الْمُنْكَرِ إلَّا بِقَطْعِهِ، أَوْ أَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي طَوَافِهِ خَاشِعًا مُتَخَشِّعًا حَاضِرَ الْقَلْبِ مُلَازِمَ الْأَدَبِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَفِي هَيْئَتِهِ وَحَرَكَتِهِ وَنَظَرِهِ، فَإِنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهَا وَيَسْتَشْعِرُ بِقَلْبِهِ عَظَمَةَ مَنْ يَطُوفُ بِبَيْتِهِ.
وَيُكْرَهُ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِي الطَّوَافِ، وَكَرَاهَةُ الشُّرْبِ أَخَفُّ، وَلَا يَبْطُلُ الطَّوَافُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْمَاءِ فِي الطَّوَافِ وَلَا أَكْرَهُهُ، بِمَعْنَى الْمَأْثَمِ، لَكِنِّي أُحِبُّ تَرْكَهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأَنَّ الشُّرْبَ أَخَفُّ صَاحِبُ"الْحَاوِي"، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْإِمْلَاءِ": رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَرِبَ وَهُوَ يَطُوفُ. قَالَ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ وَهُوَ يَطُوفُ"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ مَاءً فِي الطَّوَافِ"وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: يُكْرَهُ لِلطَّائِفِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فِيهِ، كَمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ يَتَثَاءَبَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُهُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فرع: يُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُفَرْقِعَ بِهَا، كَمَا يُكْرَهُ
فِي الصَّلَاةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَطُوفَ وَهُوَ يُدَافِعُ الْبَوْلَ أَوْ الْغَائِطَ أَوْ الرِّيحَ، أَوْ وَهُوَ شَدِيدُ التَّوَقَانِ إلَى الْأَكْلِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، كَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ.
فرع: يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُونَ نَظَرَهُ عَمَّنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ، مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ أَمْرَدَ حَسَنِ الصُّورَةِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ وَالْحَسَنِ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَسَنُوَضِّحُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الشَّرِيفِ، وَيَصُونُ نَظَرَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ احْتِقَارِ مَنْ يَرَاهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَنْ فِي بَدَنِهِ نَقْصٌ، وَكَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ الْمَنَاسِكِ أَوْ غَلِطَ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَ الصَّوَابَ بِرِفْقٍ. وَقَدْ جَاءَتْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فِي تَعْجِيلِ عُقُوبَةِ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ فِي الطَّوَافِ كَمَنْ نَظَرَ امْرَأَةً وَنَحْوَهَا. وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا فِي"تَارِيخِ مَكَّةَ"، وَهَذَا الْأَمْرُ مِمَّا يَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي أَشْرَفِ الْأَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ أَوْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا قَطَعَ الطَّوَافَ فَإِنْ فَرَغَ بَنَى، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما"كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ،"