فهرس الكتاب
ج / 8 ص -73- قَصِيرٌ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَصَرَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاتَيْنِ وَيَجْمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْصُرَهُمَا وَيَجْمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْصُرَهُمَا وَلَا يَجْمَعَهُمَا، بَلْ يُصَلِّي كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا وَلَا يَقْصُرَهُمَا بَلْ يُتِمَّهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُتِمَّ إحْدَاهُمَا وَيَقْصُرَ الْأُخْرَى. هَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا كَسَائِرِ صَلَوَاتِ السَّفَرِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ وَالسُّنَّةَ جَمْعُهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ مَقْصُورَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَلَوْ فَاتَ إنْسَانًا مِنْ الْحَجِيجِ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ فِي صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، إنْ كَانَ مُسَافِرًا كَسَائِرِ صَلَوَاتِ السَّفَرِ، وَسَنَذْكُرُ فِيهِ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا وَنَحْوَهُ مِمَّنْ سَفَرُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَلَا الْجَمْعُ إلَّا إذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ إنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ جَمَعَ بَعْضُ النَّاسِ قَبْلَ الْإِمَامِ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى، أَوْ صَلَّى إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَى مُنْفَرِدًا جَمْعًا وَقَصْرًا جَازَ بِشَرْطِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ صَلَاتُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا وَصَلَّى بِهِمْ قَصْرًا وَجَمْعًا لَزِمَهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ، كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَيَلْزَمُهُمْ نِيَّةُ الْقَصْرِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ نِيَّةُ الْجَمْعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ"الْحَاوِي"أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُمْ نِيَّةُ الْجَمْعِ، كَمَا يَلْزَمُهُمْ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي غَيْرِ عَرَفَاتٍ. فَعَلَى هَذَا يُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ، وَيُعْلِمُ عَالِمُهُمْ بِذَلِكَ جَاهِلَهُمْ والثاني: لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ1. وَلِلْمَشَقَّةِ فِي إعْلَامِ جَمِيعِهِمْ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ هُنَاكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَادِيَ بِالْجَمْعِ، وَلَا أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ نِيَّتَهُ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ وُجُوبَ هَذِهِ النِّيَّةِ. وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: هَذَا كُلُّهُ يَنْتَقِضُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ، قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى وُجُوبِهَا مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا دَخَلَ الْحُجَّاجُ مَكَّةَ وَنَوَوْا أَنْ يُقِيمُوا بِهَا أَرْبَعًا، لَزِمَهُمْ إتْمَامُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا خَرَجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى، وَنَوَوْا الذَّهَابَ إلَى أَوْطَانِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِ مَنَاسِكِهِمْ، كَانَ لَهُمْ الْقَصْرُ مِنْ حِينِ خَرَجُوا لِأَنَّهُمْ أَنْشَئُوا سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
فرع: وَيُسَنُّ لَهُ فِعْلُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، كَمَا يُسَنُّ لِغَيْرِهِ مِنْ الْجَامِعِينَ الْقَاصِرِينَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَفِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، فَيُصَلِّي أَوَّلًا سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، ثُمَّ الْعَصْرَ، ثُمَّ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَهَا ثُمَّ سُنَّةَ الْعَصْرِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَلَا يَتَنَفَّلُونَ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، بَلْ يُبَادِرُونَ بِتَعْجِيلِ الْوُقُوفِ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل ولعله: موضع سفر وارتحال (ط) .