فهرس الكتاب

الصفحة 2778 من 4102

ج / 8 ص -91- وَالِازْدِلَافِ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ مَضَوْا إلَيْهَا وَتَقَرَّبُوا مِنْهَا.

وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَجِيءِ النَّاسِ إلَيْهَا فِي زُلَفٍ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ سَاعَاتٍ، وَسُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مِنْ الْحَرَمِ. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي"تَارِيخِ مَكَّةَ"وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ"الْحَاوِي"فِي كِتَابِهِ"الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ"وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: حَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ، وَلَيْسَ الْحَدَّانِ مِنْهَا، وَيَدْخُلُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعُ تِلْكَ الشِّعَابِ الْقَوَابِلِ وَالظَّوَاهِرِ، وَالْجِبَالِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ.

وَأَمَّا وَادِي مُحَسِّرٍ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالرَّاءِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِّرَ فِيهِ، أَيْ أَعْيَا وَكَلَّ عَنْ السَّيْرِ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [الملك: 4] وَوَادِي مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ، وَلَيْسَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: وَادِي مُحَسِّرٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا1.

وَأَمَّا مِنًى فَبِكَسْرِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ فِيهَا الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَالْأَجْوَدُ الصَّرْفُ. وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي"أَدَبِ الْكَاتِبِ"بِأَنَّهَا لَا تُصْرَفُ، وَجَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي"الصِّحَاحِ"بِأَنَّ مِنًى مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: سُمِّيَتْ مِنًى لِمَا يُمْنَى فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ، أَيْ يُرَاقُ وَيُصَبُّ. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّوَارِيخِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ آدَمَ لَمَّا أَرَادَ مُفَارَقَةَ جِبْرِيلَ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: تَمَنَّ، قَالَ: أَتَمَنَّى الْجَنَّةَ. وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنَى اللَّهُ الشَّيْءَ أَيْ قَدَّرَهُ. فَسُمِّيَتْ مِنًى، لِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الشَّعَائِرِ فِيهَا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ يُونُسُ: يُقَال امْتَنَى الْقَوْمُ إذَا أَتَوْا مِنًى، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ أَمْنَى الْقَوْمُ أَتَوْا مِنًى.

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنًى مِنْ الْحَرَمِ وَهِيَ شِعْبٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ أحدهما: ثَبِيرٌ وَالْآخَرُ: الصَّانِعُ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ: حَدُّ مِنًى مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ، وَلَيْسَتْ الْجَمْرَةُ وَلَا وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى. قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْأَصْحَابُ: مَا أَقْبَلَ عَلَى مِنًى مِنْ الْجِبَالِ فَهُوَ مِنْهَا، وَمَا أَدْبَرَ فَلَيْسَ مِنْهَا. قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ: ذَرْعُ مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمُحَسِّرٍ سَبْعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ2 وَمِائَتَا ذِرَاعٍ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: وَعَرْضُ مِنًى مِنْ مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي الْجِبَالَ إلَى الْجَبَلِ بِحِذَائِهِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ3، وَمِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَسَبْعٌ وَثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَنِصْفُ ذِرَاعٍ، وَمِنْ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى إلَى الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَمِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 يبلغ الذراع واحدًا وخمسين سنتيمترًا تقريبًا، أي أنه نحو مائتين وسبعين مترًا وسبعة أمتار. وقد ذكر أن الذراع يبلغ طوله ما بين الخمسين والسبعين سنتيمترًا. وعلى هذا فيكون حوالي ستين سنتيمترًا في الوسط، أي نحو ثلاثمائة وعشرين مترًا وسبعة أمتار تقريبًا.

2 أي نحو ثلاثة كيلو ونصف الكيلو أو يزيد قليلًا.

3 وذلك نحو ستمائة وستين مترًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت