فهرس الكتاب
ج / 8 ص -101- فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّ. حَجُّهُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَصْحَابُنَا: وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَ خَمْسَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ: هُوَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، هَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ. وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] وَبِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ فَاتَهُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ".
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ السَّابِقِ فِي فَضْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ الذِّكْرُ وَلَيْسَ هُوَ بِرُكْنٍ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَا مَعْرُوفٍ والثاني: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى فَوَاتِ كَمَالِ الْحَجِّ لَا فَوَاتِ أَصْلِهِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا أَنْ يَبْقَى بِمُزْدَلِفَةَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ إلَّا الضَّعَفَةَ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ الدَّفْعُ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَإِنْ دَفَعَ غَيْرُ الضَّعَفَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ وَلَا دَمَ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ دَمٌ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي دَفْعِ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أُرْخِصَ فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِلضَّعَفَةِ قُلْنَا: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا اخْتَلَفَ بِالضَّعَفَةِ وَغَيْرِهِمْ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى قُزَحَ وَلَا يَزَالُ وَاقِفًا بِهِ يَدْعُو وَيَذْكُرُ حَتَّى يُسْفِرَ الصُّبْحُ جِدًّا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ غَيْرِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ يَدْفَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْإِسْفَارِ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ جَابِرٍ السَّابِقِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ صَحِيحٌ.
فَرْعٌ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ الْإِسْرَاعِ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِيهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: وَتَبِعَهُمْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ هُوَ قُزَحُ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ هَذَا مَذْهَبُنَا. وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ: الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ جَمِيعُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِأَصْحَابِنَا مَا ثَبَتَ فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"فِي بَابِ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ".
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ حَصَى الْجِمَارِ، وَيُسْتَحَبُّ الْتِقَاطُهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَكْسِرَهَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَارَ قَوْمٌ كَسْرَهَا وَاخْتَارَ قَوْمٌ أَنْ لَا تُغْسَلَ بَلْ كَرِهُوا غَسْلَهَا، قَالَ ابْنُ