فهرس الكتاب
ج / 8 ص -109- الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرْمِيَ الْحَصَيَاتِ فِي دَفَعَاتٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَلَوْ رَمَى حَصَاتَيْنِ أَوْ سَبْعًا دَفْعَةً فَإِنْ وَقَعْنَ فِي الْمَرْمَى فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ حُسِبَتْ حَصَاةً وَاحِدَةً بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ تَرَتَّبْنَ فِي الْوُقُوعِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَحْسُوبَ حَصَاةٌ وَاحِدَةٌ أَيْضًا. وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاهِيرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، لِأَنَّهَا رَمْيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا أَنَّهُ يُحْسَبُ بِعَدَدِ الْحَصَيَاتِ الْمُتَرَتِّبَاتِ فِي الْوُقُوعِ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ رَمَى حَصَاتَيْنِ أَحَدُهُمَا بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالْأُخْرَى بِالْيُسْرَى دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يُحْسَبْ إلَّا وَاحِدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ. وَلَوْ رَمَى حَصَاةً ثُمَّ أَتْبَعَهَا أُخْرَى فَإِنْ وَقَعَتْ الْأُولَى فِي الْمَرْمَى قَبْلَ الثَّانِيَةِ فَهُمَا حَصَاتَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْأُولَى فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَصَحَّهُمَا أَنَّهُ يُحْسَبُ حَصَاتَانِ اعْتِبَارًا بِالرَّمْيِ والثاني: حَصَاةٌ اعْتِبَارًا بِالْوُقُوعِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الصَّوَابُ أَنَّهُمَا حَصَاتَانِ وَمَا سِوَاهُ خَبْطٌ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: الْقَائِلُ حَصَاتَانِ أَبُو حَامِدٍ يَعْنِي الْمَرْوَزِيَّ، وَالْقَائِلُ حَصَاةٌ1، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْحَصَيَاتِ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ جَمَرَاتِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الطَّوَافِ؟ الصَّحِيحُ لَا يُشْتَرَطُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ والثاني: يُشْتَرَطُ، هَذَا إذَا فَرَّقَ طَوِيلًا. فَأَمَّا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ فَلَا يَضُرُّ بِلَا خِلَافٍ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ
فَرْعٌ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا رَمَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً حُسِبَتْ حَصَاةً وَاحِدَةً وَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى إنْسَانٍ فَجُلِدَ بِمِائَةٍ مَشْدُودَةٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً حُسِبَتْ مِائَةً قَالَ أَصْحَابُنَا: الْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ والثاني: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْإِيقَاعُ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَمَّا الرَّمْيُ فَتَعَبُّدٌ فَاتُّبِعَ فِيهِ التَّوْقِيفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ"هُوَ رُكْنٌ"دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
فرع: مَذْهَبُنَا جَوَازُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ: لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَعْجِيلِ دَفْعِ الضَّعَفَةِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى وأما: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل ولعل السقط (الشافعي في القدم) .