فهرس الكتاب
ج / 8 ص -119- وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي بَكْرِ1 بْنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: لَا يُسْتَحَبُّ إمْرَارُهُ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا الْإِمْرَارُ وَاجِبٌ، وَوَافَقَنَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْمُحْرِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ"قَالُوا وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ، فَإِذَا فُقِدَ الشَّعْرُ انْتَقَلَ الْوُجُوبُ إلَى نَفْسِ الرَّأْسِ كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَوَجَبَ التَّشْبِيهُ فِي أَفْعَالِهَا، كَالصَّوْمِ فِيمَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ فَرْضٌ تَعَلَّقَ بِجُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ فَسَقَطَ بِفَوَاتِ الْجُزْءِ، كَغَسْلِ الْيَدِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِقَطْعِهَا. فَإِنْ قِيلَ الْفَرْضُ هُنَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْيَدِ، وَقَدْ سَقَطَتْ، وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِالرَّأْسِ وَهُوَ بَاقٍ قُلْنَا: بَلْ الْفَرْضُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّعْرِ فَقَطْ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ عَلَى بَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ دُونَ بَعْضٍ لَزِمَهُ الْحَلْقُ فِي الشَّعْرِ وَلَا يَكْفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَعَلَّقَ الْفَرْضُ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ ظَاهِرُ الضَّعْفِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا هُوَ مَرْوِيٌّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ قلت: وَهُوَ مَوْقُوفٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى النَّدْبِ، وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْفَرْضَ هُنَاكَ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] وَهُنَا تَعَلَّقَ بِالشَّعْرِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا. والثاني: أَنَّهُ إذَا مَسَحَ بِشَعْرِ الرَّأْسِ سُمِّيَ مَاسِحًا فَلَزِمَهُ، وَإِذَا أَمَرَّ الْمُوسَى لَا يُسَمَّى حَالِقًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ فَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِمْسَاكِ جَمِيعِ النَّهَارِ فَبَقِيَّتُهُ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ، وَهُنَا إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ عِنْدَنَا ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يَجِبُ أَكْثَرُ الرَّأْسِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ رُبْعُهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: نِصْفُهُ، احْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم"لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ مَرَّاتٍ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى حَالِقًا بِدُونِ أَكْثَرِهِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ} [الفتح: 27] وَالْمُرَادُ شُعُورَ رُءُوسِكُمْ، وَالشَّعْرُ أَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى حَالِقًا، يُقَال حَلَقَ رَأْسَهُ وَرُبْعَهُ وَثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُ فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُسَمَّى حَلْقَ شَعْرٍ، وَأَمَّا حَلْقُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَمِيعَ رَأْسِهِ فَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يُسَمَّى حَلْقًا بِدُونِ أَكْثَرِهِ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْحِسِّ وَاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أثبتنا الألف على ما ذهب إليه النووي رحمه الله من أن ابن إذا وقعت بين كنيتين يلزم ثبوت الألف كما لو وقعت أيضا بين ذكر وأنثى كإسماعيل ابن علية وعبد الله ابن بحينه وعيسى ابن مريم ومحمد ابن الحنيفة.