فهرس الكتاب
ج / 8 ص -121- أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْحُجَّاجِ حُضُورُ هَذِهِ الْخُطْبَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ وَلِلْإِمَامِ الِاغْتِسَالُ لَهَا، وَالتَّطَيُّبُ إنْ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ التَّحَلُّلَيْنِ أَوْ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ تَكُونُ بِمِنًى هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ تَكُونُ بِمَكَّةَ، وَهَذَا فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِلنَّقْلِ وَالدَّلِيلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يُفِيضُ إلَى مَكَّةَ وَيَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَارَةِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ رَكِبَ وَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ"وَهَذَا الطَّوَافُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَرَوَتْ عَائِشَةُ:"أَنَّ صَفِيَّةَ رضي الله عنهما حَاضَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، قَالَ: فَلَا إذًا"فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ إذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ النَّحْرِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها يَوْمَ النَّحْرِ فَرَمَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفَاضَتْ"وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَطُوفَ يَوْمَ النَّحْرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ"فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ وَطَافَ جَازَ، لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ.
الشرح: حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأما: حَدِيثُهَا الْآخَرُ فِي قِصَّةِ أُمِّ سَلَمَةَ1 وأما: قَوْلُهُ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ"فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَالسُّنَّةُ إذَا رَمَى وَذَبَحَ وَحَلَقَ أَنْ يُفِيضَ إلَى مَكَّةَ وَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ لَهُ خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ وَقَدْ سَبَقَتْ كَيْفِيَّةُ الطَّوَافِ وَسَبَقَ بَيَانُ التَّفْصِيلِ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَرْمُلُ وَيَضْطَبِعُ فِي هَذَا الطَّوَافِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا الطَّوَافُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَدْخُلُ وَقْتُ هَذَا الطَّوَافِ مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيَبْقَى إلَى آخِرِ الْعُمْرِ، وَلَا يَزَالُ مُحْرِمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ، وَالْأَفْضَلُ طَوَافُهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الضُّحَى بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُودَ إلَى مِنًى قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَّةَ بِلَا طَوَافٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَمَنْ لَمْ يَطُفْ لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ وَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ طَافَ لِلْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ طَافَ الْإِفَاضَةَ وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَجْزَأَهُ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي فَصْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا طَافَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَزِمَهُ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَا يَزَالُ مُحْرِمًا حَتَّى يَسْعَى، وَلَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الثَّانِي بِدُونِهِ وَإِنْ كَانَ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَمْ يُعِدْهُ بَلْ تُكْرَهُ إعَادَتُهُ كَمَا سَبَقَ فِي فَصْلِ السَّعْيِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل فحرر، قلت: فقد رواه الدرامي والنسائي.