فهرس الكتاب

الصفحة 2811 من 4102

ج / 8 ص -124- الْحَجُّ الْأَكْبَرُ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ وَهُوَ الْعُمْرَةُ. هَكَذَا أُثْبِتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ حَدِيثُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:"بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ - يَعْنِي حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ - فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِيَرَاهُ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ لِيَرَاهُ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: النَّحْرُ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي"صَحِيحَيْهِمَا"، وَمَعْنَى قَوْلِ حُمَيْدٍ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَذَا الْأَذَانِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَأَذَّنُوا بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ الْمَأْمُورُ بِالْأَذَانِ فِيهِ فِي قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] الْآيَةَ وَلِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَنَاسِكَ تُفْعَلُ فِيهِ وَمَنْ قَالَ يَوْمَ عَرَفَةَ احْتَجَّ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ"الْحَجُّ عَرَفَةَ"وَلَكِنْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرُدُّهُ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، كَمَا سَبَقَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ، بَلْ يَبْقَى مَا دَامَ حَيًّا وَلَا يَلْزَمُهُ بِتَأْخِيرِهِ دَمٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ وَفَعَلَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَدْ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَذْهَبِنَا: لَا دَمَ. مِمَّنْ قَالَهُ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِلطَّوَافِ، فَيَطُوفُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ مَالِكٍ، دَلِيلُنَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّمِ حَتَّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ أَنَّهُ لَوْ طَافَ الْإِفَاضَةَ وَتَرَكَ مِنْ الطَّوَافِ السَّبْعِ وَاحِدَةً أَوْ بَعْضَهَا لَا يَصِحُّ طَوَافُهُ، حَتَّى يُكْمِلَ السَّبْعَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَسَبَقَ فِيهِ بَيَانُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِذَا رَمَى وَحَلَقَ وَطَافَ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ؟ إنْ قُلْنَا: إنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ حَصَلَ لَهُ [التَّحَلُّلُ] الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ, وَحَصَلَ لَهُ [التَّحَلُّلُ] الثَّانِي بِالثَّالِثِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ - الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ - وَحَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الثَّانِي بِالثَّانِي. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: إذَا دَخَلَ وَقْتُ الرَّمْيِ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ, كَمَا إذَا فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ, وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حُلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ"فَعَلَّقَ التَّحَلُّلَ بِفِعْلِ الرَّمْيِ, وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّحَلُّلُ يَتَعَلَّقُ بِدُخُولِ وَقْتِهِ كَالطَّوَافِ , وَيُخَالِفُ إذَا فَاتَ الْوَقْتُ , فَإِنَّ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّمْيِ كَمَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِ , وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّحَلُّلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت