فهرس الكتاب
ج / 8 ص -126- نُسُكًا حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِمُجَرَّدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ لِوُجُودِ اسْمِ الْيَوْمِ. وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَا أَوَّلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي يُفْتَى بِهِ أَنَّ التَّحَلُّلَ يَحْصُلُ بِاثْنَيْنِ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالثَّانِي بِالثَّالِثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا بُدَّ مِنْ السَّعْيِ مَعَ الطَّوَافِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ: فَيُعَدُّ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ سَبَبًا وَاحِدًا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، فَلَوْ لَمْ يَرْمِ وَلَكِنْ طَافَ وَحَلَقَ وَلَمْ يَسْعَ لَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ السَّعْيَ كَالْجُزْءِ فَكَأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الْمَرَّاتِ مِنْ الطَّوَافِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَيُضَمُّ إلَيْهِمَا الْحَلْقُ إنْ قُلْنَا هُوَ نُسُكٌ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْعُمْرَةِ تَحَلُّلٌ، وَفِي الْحَجِّ تَحَلُّلَانِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَطُولُ زَمَنُهُ وَتَكْثُرُ أَعْمَالُهُ، بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَأُبِيحَ بَعْضُ مُحَرَّمَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضُهَا فِي وَقْتٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَصْحَابُنَا. وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ اللُّبْسُ وَالْقَلْمُ وَسَتْرُ الرَّأْسِ وَالْحَلْقُ إنْ لَمْ نَجْعَلْهُ نُسُكًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَحِلُّ الْجِمَاعُ إلَّا بِالتَّحَلُّلَيْنِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَطَأَ حَتَّى يَرْمِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَفِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُلَامَسَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي"الْجَدِيدِ"أصحهما: عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالتَّحَلُّلَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالرُّويَانِيِّ يَحِلُّ بِالْأَوَّلِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَحِلُّ بِالْأَوَّلِ الْمُبَاشَرَةُ، وَيَحِلُّ الصَّيْدُ وَالنِّكَاحُ وَالطِّيبُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، قَالَ: وَهُوَ الْجَدِيدُ، وَيَحِلُّ الصَّيْدُ بِالْأَوَّلِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِاتِّفَاقِهِمْ وأما: الطِّيبُ فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِحِلِّهِ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فِيهِ طَرِيقِينَ أصحهما: حِلُّهُ والثاني: عَلَى قَوْلَيْنِ كَالصَّيْدِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ. وَهَذَا بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فرع: فِي بَيَانِ حَدِيثٍ مُشْكِلٍ مُخَالِفٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي"سُنَنِهِ"قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْن مَعِينٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ أُمِّهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:"كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي يَصِيرُ إلَيَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ فَصَارَ إلَيَّ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهْبُ بْنُ زَمْعَةَ وَمَعَهُ رَجُلٌ مُتَقَمِّصَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِوَهْبٍ: أَفَضْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: انْزِعْ عَنْك الْقَمِيصَ، فَنَزَعَهُ مِنْ رَأْسِهِ، وَنَزَعَ صَاحِبُهُ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ فِيهِ لَكُمْ إذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا، يَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إلَّا النِّسَاءَ، فَإِذَا"