فهرس الكتاب

الصفحة 2822 من 4102

ج / 8 ص -135- جَوَازَ الِاسْتِنَابَةِ لِلْمَرِيضِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَابِعِي الْإِمَامِ: إنَّمَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ لِعَاجِزٍ بِعِلَّةٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ. قَالُوا: وَلَا يَضُرُّ رَجَاءُ الزَّوَالِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ وَمُتَابِعُوهُ مُتَعَيَّنٌ، وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ. وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ فَلَوْ زَالَ الْعَجْزُ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ لَزِمَهُ رَمْيُ مَا بَقِيَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ ثُمَّ يَزُولُ نَادِرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُحْرِمِ قَبْلَ الرَّمْيِ وَلَمْ يَكُنْ أَذِنَ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ الرَّمْيُ عَنْهُ فِي إغْمَائِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ أَذِنَ فِيهِ جَازَ الرَّمْيُ عَنْهُ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجَمَاهِيرُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجَوَازَ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ فَقَالَ: قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَوْ اسْتَنَابَ الْعَاجِزُ عَنْ الرَّمْيِ وَصَحَّحْنَا الِاسْتِنَابَةَ فَأُغْمِيَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ دَامَتْ النِّيَابَةُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْإِغْمَاءِ الطَّارِئِ عَلَى إذْن انْقِطَاع إذْنه إذَا كَانَ أَصْلُ الْإِذْنِ جَائِزًا لِلْوَكَالَةِ، وَلَكِنْ الْغَرَضُ هُنَا إقَامَةُ النَّائِبِ مَقَامَ الْعَاجِزِ، قَالَ: وَمَا ذَكَرُوهُ مُحْتَمَلٌ جِدًّا وَلَا يَمْتَنِعُ خِلَافُهُ.

قَالَ: وَقَدْ قَالُوا: لَوْ اسْتَنَابَ الْمَعْضُوبُ فِي حَيَاتِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَعْضُوبُ لَمْ تَنْقَطِعْ الِاسْتِنَابَةُ. هَكَذَا ذَكَرُوهُ فِي الْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَكِنْ لَوْ فُرِضَ فِي الْإِجَارَةِ فَالْإِجَارَةُ تَبْقَى وَلَا تَنْقَطِعُ، لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُمْكِنٌ فَلَا مُنَافَاةَ. وَقَدْ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَةَ الْأَجِيرِ، قَالَ: وَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْإِذْنِ جَائِزٌ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ فِي الْإِغْمَاءِ بَعِيدٌ فِي الْمَوْتِ، هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ.

ثُمَّ إنَّ الْأَصْحَابَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أَطْلَقُوا أَنَّهُ إذَا اسْتَنَابَ قَبْلَ الْإِغْمَاءِ جَازَ رَمْيُ النَّائِبِ عَنْهُ فِي الْإِغْمَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ كَانَ حِينَ أَذِنَ مُطِيقًا لِلرَّمْيِ لَمْ يَصِحَّ الرَّمْيُ عَنْهُ فِي الْإِغْمَاءِ لِأَنَّ الْمُطِيقَ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ عَنْهُ فَلَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ، وَإِنْ كَانَ حِينَ الْإِذْنِ عَاجِزًا بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا فَأَذِنَ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ صَحَّتْ النِّيَابَةُ، وَصَحَّ رَمْيُ النَّائِبِ. هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ. وَفِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي حَكَيْته عَنْهُ الْآنَ مُوَافَقَتُهُ، فَلْيُحْمَلْ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَنْ اسْتَنَابَ فِي حَالِ الْعَجْزِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي حَالِ إغْمَائِهِ لَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ، وَإِنْ رُمِيَ عَنْهُ بِذَلِكَ الْإِذْنِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ إذْنَهُ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ إذْنَهُ سَاقِطٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْمَجْنُونُ كَالْمَغْمِيِّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ هَذَا، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.

فرع: اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الرَّمْيِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي أَصْلِ الْحَجِّ. قَالُوا: وَالرَّمْيُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.

فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَنِيبَ الْعَاجِزُ حَلَالًا أَوْ مَنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ اسْتَنَابَ مَنْ لَمْ يَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ النَّائِبُ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ فَيُجَزِّئُهُمَا الرَّامِيَانِ بِلَا خِلَافٍ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى رَمْيِ وَاحِدٍ وَقَعَ عَنْ الرَّامِي لَا عَنْ الْمُسْتَنِيبِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إذَا رَمَى النَّائِبُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ ثُمَّ عَنْ نَفْسِهِ رَمْيًا آخَرَ أَجْزَأَهُ الرَّمْيُ عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت