فهرس الكتاب
ج / 8 ص -137- يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ"وَفِي رِوَايَةٍ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ". وَأَمَّا حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ."
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ: فَالسِّقَايَةُ - بِكَسْرِ السِّينِ - وَهِيَ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُسْتَقَى فِيهِ الْمَاءُ وَيُجْعَلُ فِي حِيَاضٍ وَيُسْبَلُ لِلشَّارِبِينَ، وَكَانَتْ السِّقَايَةُ فِي يَدِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ ثُمَّ وَرِثَهَا مِنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ مَنَافٍ، ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ، ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ مِنْهُ الْعَبَّاسُ رضي الله عنه، ثُمَّ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَقَدْ بَسَطْتُ بَيَانَهَا شَافِيًا فِي"تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ"
قَوْلُهُ:"رِعَاءُ الْإِبِلِ"هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ، جَمْعُ رَاعٍ كَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ، وَيَجُوزُ رُعَاةٌ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَهَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ - بِغَيْرِ مَدٍّ، كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ. قَوْلُهُ:"وَمَنْ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ"يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْبَاءِ وَكَسْرُهَا، لُغَتَانِ كَضَرَبَ وَشَرِبَ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ أَبَقَ} [الصافات: 140] وَيَجُوزُ لِعَبْدِ آبِق بِمَدِّ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْبَاءِ.
أما الأحكام: فَفِيهَا مَسَائِلُ مُخْتَصَرُهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَلْ الْمَبِيتُ بِهَا وَاجِبٌ أَمْ سُنَّةٌ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: وَاجِبٌ والثاني: سُنَّةٌ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا. حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ جَبَرَهُ بِدَمٍ بِلَا خِلَافٍ.
فَإِنْ قُلْنَا: الْمَبِيتُ وَاجِبٌ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا، وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ فَسَنَةٌ. وَيُؤْمَرُ بِالْمَبِيتِ فِي اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ سَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ. وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَبِيتَ بِهَا كُلَّ اللَّيْلِ. وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ"وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ أصحهما: مُعْظَمُ اللَّيْلِ والثاني: الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا بِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي.
وَأَمَّا قَدْرُ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَحُكْمُهُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ، فَإِنْ تَرَكَ مَبِيتَ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَحْدَهَا جَبَرَهَا بِدَمٍ كَامِلٍ، وَإِنْ تَرَكَ لَيَالِي التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَ لَزِمَهُ دَمٌ فَقَطْ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ. وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ صَاحِبِ"التَّقْرِيبِ"أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ دَمٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ تَرَكَ إحْدَى اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كَالْأَقْوَالِ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ، وَفِي حَلْقِ شَعْرَةٍ أصحهما: فِي اللَّيْلَةِ مُدٌّ والثاني: دِرْهَمٌ وَالثَّالِثُ: ثُلُثُ دَمٍ.
وَإِنْ تَرَكَ لَيْلَتَيْنِ فَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ مُدَّانِ وَعَلَى الثَّانِي دِرْهَمَانِ وَعَلَى الثَّالِثِ ثُلُثَا دَمٍ. وَلَوْ تَرَكَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَيَالِي التَّشْرِيقِ كُلِّهَا فَقَوْلَانِ أصحهما: يَجِبُ دَمَانِ دَمٌ لِلَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَدَمٌ لِلَيَالِي مِنًى والثاني: يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ لِلَّيَالِيِ الْأَرْبَعِ، هَذَا مَنْ كَانَ بِمِنًى وَقْتَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَبِتْ وَقُلْنَا: تُفْرَدُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ بِالدَّمِ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا لَيْلَتَيْنِ أحدهما: يَلْزَمُهُ مُدَّانِ أَوْ