فهرس الكتاب
ج / 8 ص -143- الطَّوَافَ وَخَرَجَ ثُمَّ ذَكَرَهُ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ وَاجِبٌ نَظَرْت - فَإِنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ - اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَإِنْ عَادَ وَطَافَ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ، لِأَنَّ الطَّوَافَ الثَّانِي لِلْخُرُوجِ الثَّانِي فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْخُرُوجِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ فَعَادَ وَطَافَ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ وَيَجُوزُ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ بِلَا وَدَاعٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ:"أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ"فَإِنْ نَفَرَتْ الْحَائِضُ ثُمَّ طَهُرَتْ فَإِنْ كَانَتْ فِي بُنْيَانِ مَكَّةَ عَادَتْ وَطَافَتْ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الْبُنْيَانِ لَمْ يَلْزَمْهَا الطَّوَافُ.
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ:"لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ:"أَمَرَ النَّاسَ"إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَحَدِيثُ"مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ"سَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ مَرَّاتٍ. وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْفِرَ إذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً فَقَالَ: عَقْرَى حَلْقَى إنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ فَانْفِرِي"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْوَدَاعُ بِفَتْحِ الْوَاوِ. وَتَنْفِرُ بِكَسْرِ الْفَاءِ.
أما الأحكام: فَفِيهَا مَسَائِلُ إحداها: قَالَ أَصْحَابُنَا: مَنْ فَرَغَ مِنْ مَنَاسِكِهِ وَأَرَادَ الْمَقَامَ بِمَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَرِيبًا، وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ طَافَ لِلْوَدَاعِ وَلَا رَمَلَ فِي هَذَا الطَّوَافِ وَلَا اضْطِبَاعَ كَمَا سَبَقَ، وَإِذَا طَافَ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَفِي هَذَا الطَّوَافِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: أَنَّهُ وَاجِبٌ والثاني: سُنَّةٌ. وَحُكِيَ طَرِيقٌ آخَرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ وَاجِبٌ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا نَصُّهُ فِي"الْأُمِّ"و"الْقَدِيمِ"، وَالِاسْتِحْبَابُ هُوَ نَصُّهُ فِي"الْإِمْلَاءِ"، فَإِنْ تَرَكَهُ أَرَاقَ دَمًا فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ وَاجِبٌ فَالدَّمُ وَاجِبٌ وإن قلنا: سُنَّةٌ فَالدَّمُ سُنَّةٌ، وَلَوْ أَرَادَ الْحَاجُّ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى لَزِمَهُ دُخُولُ مَكَّةَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ إنْ قُلْنَا هُوَ وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: إذَا خَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ وَقُلْنَا: يَجِبُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَصَى وَلَزِمَهُ الْعَوْدُ لِلطَّوَافِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ بَلَغَهَا لَمْ يَجِبْ الْعَوْدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَتَى لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ الدَّمُ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِهَا فَطَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: لَا يَسْقُطُ.
والثاني: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهَانِ أصحهما: لَا يَسْقُطُ وَالثَّانِي: يَسْقُطُ الثَّالِثَةُ: لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وَلَا عَلَى النُّفَسَاءِ طَوَافُ وَدَاعٍ وَلَا دَمٌ عَلَيْهَا لِتَرْكِهِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَقِفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَدْعُوَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بِنَاءِ مَكَّةَ لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ لِزَوَالِ عُذْرِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَوْدُ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ وَقَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ،