فهرس الكتاب
ج / 8 ص -144- فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا، وَنَصَّ أَنَّ الْمُقَصِّرَ بِتَرْكِ الطَّوَافِ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ. وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ: الْفَرْقُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِخِلَافِ الْحَائِضِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِمَا قَوْلَانِ أحدهما: يَلْزَمُهَا والثاني: لَا يَلْزَمُهُمَا فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْعَوْدُ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ فِي الْمَسَافَةِ بِنَفْسِ مَكَّةَ أَمْ بِالْحَرَمِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ بِنَفْسِ مَكَّةَ والثاني: حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: هَذَا والثاني: الْحَرَمُ وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا نَفَرَتْ فِي يَوْمِ حَيْضِهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهَا، وَإِنْ نَفَرَتْ فِي يَوْمِ طُهْرِهَا لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تَعْلِيقِهِ"وَالدَّارِمِيُّ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَتَرَكَتْ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَانْصَرَفَتْ، ثُمَّ اتَّصَلَ الدَّمُ وَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَيُنْظَرُ هَلْ هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ مُعْتَادَةٌ أَمْ مُبْتَدَأَةٌ؟ وَأَيُّ مَرَدِّ رُدَّتْ إلَيْهِ إنْ كَانَ تَرْكُهَا الطَّوَافَ فِي حَالِ حَيْضِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ طُهْرِهَا لَزِمَهَا الدَّمُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بَعْدَ جَمِيعِ الْأَشْغَالِ وَيَعْقُبُهُ الْخُرُوجُ بِلَا مُكْثٍ، فَإِنْ مَكَثَ نُظِرَ إنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ لِشُغْلٍ غَيْرِ أَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ مَتَاعٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ صَدِيقٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاءِ الزَّادِ وَشَدِّ الرَّحْلِ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
وَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّاهَا مَعَهُمْ لَمْ يُعِدْ الطَّوَافَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الْإِمْلَاءِ"وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: حُكْمُ طَوَافِ الْوَدَاعِ حُكْمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ. وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَبِي يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِلَا طَهَارَةٍ، وَتُجْبَرُ الطَّهَارَةُ بِالدَّمِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْوَجْهِ فِي فَصْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: هَلْ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ أَمْ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِيهِ خِلَافٌ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: هُوَ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ طَوَافُ وَدَاعٍ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِخُرُوجِهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ الْمَنَاسِكِ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يُؤْمَرُ بِهَا كُلُّ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، سَوَاءٌ كَانَ مَكِّيًّا أَوْ أُفُقِيًّا. وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ الْإِحْرَامَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِأَنَّ الْأَصْحَابَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا حَجَّ وَنَوَى عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِوَطَنِهِ لَا يُؤْمَرُ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ. وَكَذَا الْأُفُقِيُّ إذَا حَجَّ وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ لَعَمَّ الْحَجِيجُ. هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ السُّنَّةِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ مَا ثَبَتَ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا"وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَكُونُ عِنْدَ الرُّجُوعِ. وَسَمَّاهُ قَبْلَهُ قَاضِيًا لِلْمَنَاسِكِ وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَكُونَ قَضَاهَا كُلَّهَا.
فَرْعٌ: ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ