فهرس الكتاب

الصفحة 2832 من 4102

ج / 8 ص -145- مُفَارَقَةَ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ. قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَدُونَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مَسَافَةً بَعِيدَةً أَمْ قَرِيبَةً، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا صَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَغَيْرُهُ.

فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى وَيَتْرُكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ، فَلَوْ طَافَ يَوْمَ النَّحْرِ لِلْإِفَاضَةِ وَطَافَ بَعْدَهُ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ أَتَى مِنًى ثُمَّ أَرَادَ النَّفْرَ مِنْهَا فِي وَقْتِ النَّفْرِ إلَى وَطَنِهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ السَّابِقِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ قَالَ صَاحِبُ"الْبَيَانِ": اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ، فَقَالَ الشَّرِيفُ الْعُثْمَانِيُّ: يُجْزِئُهُ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يُرَادُ لِمُفَارَقَتِهِ الْبَيْتَ، وَهَذَا قَدْ أَرَادَهَا. وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّمْيِ أَيَّامَ مِنًى إلَّا وَدَاعُ الْبَيْتِ فَيُوَدِّعُ وَيَنْصَرِفُ إلَى أَهْلِهِ. هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْبَيَانِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ صَاحِبُ"الْبَيَانِ": قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ فِي"الْمُعْتَمَدِ": لَيْسَ عَلَى الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ الْخَارِجِ إلَى التَّنْعِيمِ وَدَاعٌ وَلَا دَمٌ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ عِنْدَنَا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يَلْزَمُ الدَّمُ. دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا عِنْدَ ذَهَابِهَا إلَى التَّنْعِيمِ بِوَدَاعٍ"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ وَخَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ وَقُلْنَا: دُخُولُ الْحَرَمِ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ لِأَنَّهُ دُخُولٌ جَدِيدٌ قَالَ: وَلَوْ رَجَعَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: إنْ قُلْنَا طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ فَتَرَكَ طَوْفَةً مِنْ السَّبْعِ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ لَمْ يَحْصُلْ الْوَدَاعُ، فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ بِكَمَالِهِ. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: يَكُونُ كَتَارِكِ كُلِّ الطَّوَافِ إلَّا فِي الدَّمِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْأَقْوَالِ إلَّا ثَلَاثٌ فَدَمٌ، يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَرَكَ طَوْفَةً فَفِيهَا الْأَقْوَالُ أحدها: يَلْزَمُهُ ثُلُثُ دَمٍ والثاني: دِرْهَمٌ وأصحها: مُدٌّ. وَفِي طَوْفَتَيْنِ الْأَقْوَالُ أَيْضًا. وَفِي ثَلَاثِ طَوْفَاتٍ دَمٌ كَامِلٌ. هَذَا كَلَامُ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ طَوَافُ الْوَدَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَرَادَ الْحَاجُّ النَّفْرَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ فَالْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُقِيمَ حَتَّى تَطْهُرَ فَتَطُوفَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ ظَاهِرٌ فِي هَذَا، فَإِنْ أَرَادَتْ النَّفْرَ مَعَ النَّاسِ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ جَازَ وَتَبْقَى مُحْرِمَةً حَتَّى تَعُودَ إلَى مَكَّةَ فَتَطُوفَ مَتَى مَا كَانَ، وَلَوْ طَالَ سِنِينَ، وَقَدْ سَبَقَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ هَذَا.

وَأَمَّا قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي"الْحَاوِي": لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تَطُوفَ بَعْدَ أَنْ تَطْهُرَ فَشَاذٌّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ نَفْرُهَا قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ وَلَا يَكُونُ مُرَادُهُ التَّحْرِيمُ. وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَكْرُوهَ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَيُفَسَّرُ الْجَائِزُ بِمُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت