فهرس الكتاب
ج / 8 ص -146- فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا حَاضَتْ الْحَاجَّةُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَنَفَرَ الْحُجَّاجُ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِمْ وَقَبْلَ طُهْرِهَا، وَأَرَادَتْ أَنْ تُقِيمَ إلَى أَنْ تَطْهُرَ، وَكَانَتْ مُسْتَأْجِرَةً جَمَلًا، لَمْ يَلْزَمْ الْجَمَّالَ انْتِظَارُهَا، بَلْ لَهُ النَّفْرُ بِجَمَلِهِ مَعَ النَّاسِ، وَلَهَا أَنْ تُرْكِبَ فِي مَوْضِعِهَا مِثْلَهَا، هَذَا مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَآخَرُونَ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْتَظِرَهَا أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ مَرِضَتْ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ انْتِظَارُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمٌ لَمْ يَنْتَظِرْهَا بِالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ السَّيْرُ بِهَا وَحْدَهُ. قَالَ وَلَا يُحْبَسُ لَهَا الرُّفْقَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَدْعُو وَيَقُولُ:"اللَّهُمَّ إنَّ الْبَيْتَ بَيْتُك وَالْعَبْدَ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنِ أَمَتِك، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك، حَتَّى سَيَّرَتْنِي فِي بِلَادِك وَبَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك حَتَّى أَعَنْتنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِك، فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًى، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك، وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك، اللَّهُمَّ اصْحَبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَبْقَيْتَنِي"فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَلِيقُ بِالْحَالِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
الشرح: هَذَا الدُّعَاءُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي"الْإِمْلَاءِ"وَفِي"مُخْتَصَرِ الْحَجِّ"وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ. وَقَوْله الْمُلْتَزَمُ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَلْزَمُونَهُ لِلدُّعَاءِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمُدَّعَى وَالْمُتَعَوَّذُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَبَابُ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ هُنَاكَ، وَسَأُفْرِدُهَا بِفَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا. وَقَوْلُهُ:"وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ"يَجُوزُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَجْوَدُهَا ضَمُّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدُ النُّونِ والثاني: كَسْرُ الْمِيمِ وَتَخْفِيفُ النُّونِ وَفَتْحُهَا وَالثَّالِثُ: كَذَلِكَ لَكِنَّ النُّونَ مَكْسُورَةٌ، قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: إذَا جَاءَ بَعْدَ مِنْ الْجَارَّةِ اسْمٌ مَوْصُولٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ كَانَ الْأَجْوَدُ فِيهِ فَتْحَ النُّونِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ الْأَجْوَدُ كَسْرَهَا، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ مِثَالُ الْأَوَّلُ: مِنْ اللَّهِ، مِنْ الرَّجُلِ، مِنْ النَّاسِ مِثَالُ الثَّانِي: مِنْ ابْنِك مِنْ اسْمِك مِنْ اثْنَيْنِ. وَأَمَّا الْآنَ فَهُوَ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ، هَذَا حَقِيقَتُهُ وَأَصْلُهُ، وَقَدْ يَقَعُ عَلَى الْقَرِيبِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبِلِ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْحَاضِرِ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة:187] تَقْدِيرُهُ فَالْآنَ أَبَحْنَا لَكُمْ مُبَاشَرَتَهُنَّ، فَعَلَى هَذَا هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ"قَبْلَ أَنْ تَنْأَى"أَيْ تَبْعُدَ. وَقَوْلُهُ:"هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي"قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْأَوَانُ الْحِينُ وَالْوَقْتُ وَجَمْعُهُ آوِنَةٌ كَزَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ الطَّوَافَ خَلْفَ الْمَقَامِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ