فهرس الكتاب
ج / 8 ص -150- لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ وَلَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ الثَّانِي. وَكَذَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَتَيْنِ لَمْ يَتِمَّ وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحْلِقَ شَعْرَةً ثَالِثَةً، وَلَا يُجْبَرُ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ بِدَمٍ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ. وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا وَهِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا، بَلْ لَا تَفُوتُ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا يَخْتَصُّ الْحَلْقُ بِمِنًى وَالْحَرَمِ، بَلْ يَجُوزُ فِي الْوَطَنِ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي هَذِهِ الْأَرْكَانِ فَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْإِحْرَامِ عَلَى جَمِيعِهَا وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْوُقُوفِ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْوُقُوفِ عَلَى السَّعْيِ بَلْ يَصِحُّ سَعْيُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا سَبَقَ، وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ، وَهَذَا كُلُّهُ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ مُلَخِّصًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا لَزِمَهُ الدَّمُ، وَيَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ، وَسَوَاءٌ تَرَكَهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَكِنَّ الْعَامِدَ يَأْثَمُ وأما: السُّنَنُ فَمَنْ تَرَكَهَا كُلَّهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا إثْمَ وَلَا دَمَ وَلَا غَيْرَهُ، لَكِنْ فَاتَهُ الْكَمَالُ وَالْفَضِيلَةُ وَعَظِيمُ ثَوَابِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَأَرْكَانُهَا الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ - إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الْحَلْقَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِي"التَّنْبِيهِ"، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا فِي الْوَاجِبَاتِ وَلَا فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ رُكْنٌ إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيُسْتَحَبُّ دُخُولُ الْبَيْتِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ مَغْفُورًا لَهُ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ بِمِائَةِ صَلَاةٍ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ"وَيُسْتَحَبُّ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: وَيَخْرُجُ وَبَصَرُهُ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ"."
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورُ فَغَرِيبٌ، وَيُغْنِي عَنْهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ منها: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ كُلُّهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي"رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي"مُسْنَدِهِ"وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: