ج / 8 ص -218- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا إذَا مَضَى بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الْأَضْحَى قَدْرُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجْزِهِ، لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ رضي الله عنه قَالَ:"خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا هَذِهِ وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ صَلَاتِنَا فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا"وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مِقْدَارِ الصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ قَدْرَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ رَكْعَتَانِ يَقْرَأُ فِيهِمَا (ق، وَاقْتَرَبَتْ) وَقَدْرَ خُطْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ قَدْرَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَيَبْقَى وَقْتُهَا إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ"فَإِنْ لَمْ يُضَحِّ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ - نَظَرْت فَإِنْ كَانَ مَا يُضَحَّى بِهِ تَطَوُّعًا - لَمْ يُضَحِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لِسُنَّةِ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا لَزِمَهُ أَنْ يُضَحِّيَ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ.
الشرح: حَدِيثُ الْبَرَاءِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إلَّا قَوْلَهُ:"فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا"وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ فَرْوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ، قَالَ: وَهُوَ مُرْسَلٌ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الْأَسَدِيِّ فَقِيهِ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ جُبَيْرٍ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَرَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ مُتَّصِلًا.
أما الأحكام: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَدْخُلُ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَمَضَى بَعْدَ طُلُوعِهَا قَدْرُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَدْرَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخُطْبَتَيْهِ"وَقَرَأَ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (ق) وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ، وَخَطَبَ خُطْبَةً مُتَوَسِّطَةً".
وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ذَكَرَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ، وَبِهِ قَالَ الْمَرَاوِزَةُ مِنْهُمْ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ إنَّمَا هُمَا فِي طُولِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْخُطْبَةُ فَمُخَفَّفَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ السُّنَّةَ تَخْفِيفُهَا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَمَا أَرَى مَنْ يَعْتَبِرُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مَا يُجْزِئُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ"الشَّامِلِ"وَغَيْرِهِ خِلَافُهُ، وَأَنَّهُ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مَا يُجْزِئُ وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي مُضِيُّ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْخُطْبَتَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَكِنْ يُكْرَهُ عِنْدَنَا الذَّبْحُ لَيْلًا فِي غَيْرِ الْأُضْحِيَّةِ، وَفِي الْأُضْحِيَّةِ أَشَدُّ كَرَاهَةً. وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ لِلْكَرَاهَةِ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ لِقَيِّمٍ لَهُ جَذَّ نَخْلَهُ بِاللَّيْلِ أَلَمْ تَعْلَمْ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ جُذَاذِ اللَّيْلِ وَصِرَامِ اللَّيْلِ، أَوْ قَالَ حَصَادِ اللَّيْلِ"هَذَا مُرْسَلٌ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ:"نَهَى عَنْ جُذَاذِ اللَّيْلِ وَحَصَادِ اللَّيْلِ وَالْأَضْحَى بِاللَّيْلِ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حَالِ النَّاسِ فَنَهَى عَنْهُ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ"هَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ ضَحَّى قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ تَصِحَّ التَّضْحِيَةُ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ تَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُضَحِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ - فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا - لَمْ يُضَحِّ، بَلْ قَدْ فَاتَتْ التَّضْحِيَةُ هَذِهِ السَّنَةَ، فَإِنْ