فهرس الكتاب
ج / 9 ص -124- لِلْوَكِيلِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا تَعَاقُدٌ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَقُولُ لِوَكِيلِ الزَّوْجِ: زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلَانًا يَعْنِي الزَّوْجَ وَيَقُولُ الْوَكِيلُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ، فَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِيمَا إذَا قَالَ الزَّوْجُ: قَبِلْتُ وَلَمْ يَقُلْ: نِكَاحَهَا الأصح: لَا يَصِحُّ، فَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْوَكِيلِ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي لَكَ. فَقَالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لِفُلَانٍ، لَمْ يَنْعَقِدْ، وَإِنْ قَالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا، وَقَعَ الْعَقْدُ لِلْوَكِيلِ: وَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ جَرَى النِّكَاحُ بَيْنَ وَكِيلَيْنِ، فَقَالَ وَكِيلُ الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُ فُلَانَةَ فُلَانًا، فَقَالَ وَكِيلُ الزَّوْجِ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لِفُلَانٍ صَحَّ.
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ بِوَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الزَّوْجَيْنِ كَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَتِهِمَا والثاني: أَنَّ الْبَيْعَ يَرِدُ عَلَى الْمَالِ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ، وَالنِّكَاحُ يَرِدُ عَلَى الْبُضْعِ، وَهُوَ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ، وَلِهَذَا لَوْ قَبِلَ النِّكَاحَ لِزَيْدٍ بِوَكَالَتِهِ فَأَنْكَرَهَا زَيْدٌ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى لِزَيْدٍ بِوَكَالَةٍ فَأَنْكَرَهَا، صَحَّ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ: وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَه زَيْدًا فَزَوَّجَهَا وَكِيلُ زَيْدٍ لِزَيْدٍ صَحَّ وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ وَكِيلُ زَيْدٍ لِزَيْدٍ لَمْ يَصِحَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ وَالْبَيْعَ يَقْبَلُهُ، وَلِهَذَا يَقُولُ وَكِيلُ النِّكَاحِ لِلْوَلِيِّ: زَوِّجْ مُوَكِّلِي، وَلَا يَقُولُ: زَوِّجْنِي لِمُوَكِّلِي، وَيَقُولُ فِي الْبَيْعِ: بِعْنِي لِمُوَكِّلِي، وَلَا يَقُولُ: بِعْ مُوَكِّلِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي الْهِبَةِ يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ وَكِيلِ الْمُتَّهَبِ أَنْ يُسَمِّيَ مُوَكِّلَهُ فِي الْقَبُولِ فَيَقُولَ: قَبِلْتُ لِفُلَانٍ أَوْ لِمُوَكِّلِي فُلَانٍ، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَقَعَ لِلْمُخَاطِبِ لِجَرَيَانِ الْعَقْدِ مَعَهُ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمُوَكِّل بِالنِّيَّةِ، لِأَنَّ الْوَاهِبَ قَدْ يَقْصِدُ بِتَبَرُّعِهِ الْمُخَاطَبَ. وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُسْمَحُ عَلَيْهِ بِالتَّبَرُّعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ حُصُولُ الْعِوَضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: فِي بَيْعِ الْهَازِلِ وَشِرَائِهِ وجهان أصحهما: يَنْعَقِدُ كَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ والثاني: لَا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْبَلُ الْإِعْذَارَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَسْأَلَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ فِي الصَّدَاقِ. وَهِيَ إذَا تَوَاطَآ فِي السِّرِّ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفٌ، ثُمَّ عَقَدَاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ فَقَوْلَانِ، هَلْ الْمَهْرُ مَهْرُ السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: بِالسِّرِّ لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْعُ الْهَازِلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بَيْعًا وَإِلَّا فَيَنْعَقِدُ عَمَلًا بِاللَّفْظِ، وَلَا مُبَالَاةَ بِالْقَصْدِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَكَذَا ذَكَرَ الْجُمْهُورُ الْخِلَافَ فِي بَيْعِ الْهَازِلِ وَجْهَيْنِ وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: هُمَا قَوْلَانِ قَالَ وَقِيلَ: وَجْهَانِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ إلَى أَنْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرَا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لَلْآخَرِ اخْتَرْ"وَالتَّفَرُّقُ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا بِحَيْثُ إذَا كَلَّمَهُ عَلَى الْعَادَةِ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ لِمَا رَوَى نَافِعٌ"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما"كَانَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مَشَى أَذْرُعًا لِيَجِبَ الْبَيْعُ ثُمَّ يَرْجِعُ"وَلِأَنَّ التَّفَرُّقَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفَرُّقِ الْمَعْهُودِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا وَلَكِنْ جُعِلَ بَيْنَهُمَا"