ج / 9 ص -130- صَغِيرَةٍ فَالتَّفَرُّقُ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا أَوْ يَصْعَدَ السَّطْحَ، وَكَذَا لَوْ كَانَا فِي مَسْجِدٍ صَغِيرٍ أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ كَبِيرَةً حَصَلَ التَّفَرُّقُ بِأَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْبَيْتِ إلَى الصَّحْنِ أَوْ مِنْ الصَّحْنِ إلَى بَيْتٍ أَوْ صُفَّةٍ.
وَإِنْ كَانَا فِي سُوقٍ أَوْ صَحْرَاءَ أَوْ سَاحَةٍ أَوْ بِيعَةٍ فَإِذَا وَلَّى أَحَدُهُمَا ظَهْرَهُ وَمَشَى قَلِيلًا حَصَلَ التَّفَرُّقُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ والثاني: قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ بِشَرْطِ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ صَاحِبِهِ، بِحَيْثُ لَوْ كَلَّمَهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الصَّوْتِ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ عَنْ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ سِوَى الْإِصْطَخْرِيِّ. وَاحْتَجُّوا لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَدَلَالَتُهُ لِلْجُمْهُورِ ظَاهِرَةٌ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ لَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ لَمْ يَتَفَرَّقَا وَلَكِنْ جُعِلَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ مِنْ سِتْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ شُقَّ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ أصحهما: لَا يَحْصُلُ التَّفَرُّقُ كَمَا لَوْ جُعِلَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَطْعُ بِهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ جُعِلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ سِتْرٍ وَغَيْرِهِ لَمْ يَسْقُطْ الْخِيَارُ والثاني: يَسْقُطُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَادَّعَى أَنَّهُ يُسَمَّى تَفَرُّقًا، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَقَالَ: الرُّويَانِيُّ إنْ جُعِلَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَلِأَنَّهُمَا لَوْ غَمَّضَا أَعْيُنَهُمَا لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ، وَقَالَ وَالِدِي: إنْ جُعِلَ الْحَائِطُ بَيْنَهُمَا بِأَمْرِهِمَا فَوَجْهَانِ الصحيح: لَا يَحْصُلُ التَّفَرُّقُ قَالَ: وَقِيلَ إنْ أُرْخِيَ سِتْرٌ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِنْ بُنِيَ حَائِطٌ حَصَلَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَصَحْنُ الدَّارِ وَالْبَيْتُ الْوَاحِدُ إذَا تَفَاحَشَ اتِّسَاعُهُمَا كَالصَّحْرَاءِ فَيَحْصُلُ التَّفَرُّقُ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ تَنَادَيَا وَهُمَا مُتَبَاعِدَانِ وَتَبَايَعَا صَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ وأما الْخِيَارُ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا خِيَارَ لَهُمَا لِأَنَّ التَّفَرُّقَ الطَّارِئَ يَقْطَعُ الْخِيَارَ فَالْمُقَارِنُ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: ثَبَتَ مَا دَامَا فِي مَوْضِعِهِمَا فَإِذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَهُ بَطَلَ خِيَارُهُ وَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُ الْآخَرِ؟ أَمْ يَدُومُ إلَى أَنْ يُفَارِقَ مَكَانَهُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لَهُمَا مَا دَامَا فِي مَوْضِعِهِمَا فَإِذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَهُ وَوَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ عُدَّ تَفَرُّقًا حَصَلَ التَّفَرُّقُ وَسَقَطَ الْخِيَارُ، هَذَا كَلَامُهُ، وَالْأَصَحُّ فِي الْجُمْلَةِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ وَأَنَّهُ يَحْصُلُ التَّفَرُّقُ بِمُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا مَوْضِعَهُ وَيَنْقَطِعُ بِذَلِكَ خِيَارُهُمَا جَمِيعًا، وَسَوَاءٌ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ كَانَا مُتَبَاعِدَيْنِ فِي صَحْرَاءَ أَوْ سَاحَةٍ أَوْ كَانَا فِي بَيْتَيْنِ مِنْ دَارٍ، أَوْ فِي صَحْنٍ وَصُفَّةٍ، صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا أُكْرِهَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ فَحُمِلَ مُكْرَهًا حَتَّى أُخْرِجَ مِنْهُ، أَوْ أُكْرِهَ حَتَّى خَرَجَ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْفَسْخِ بِأَنْ سُدَّ فَمُهُ لَمْ يَنْقَطِعْ خِيَارُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ: فِي انْقِطَاعِهِ وَجْهَانِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ: وَحَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ. قَالُوا: وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ