ج / 9 ص -149- والثاني: أَنَّهُ تَسْقُطُ الْمُدَّةُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ عَلَى الْفَوْرِ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ فَاتَتْ وَبَقِيَ الْخِيَارُ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيّ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْوَارِثِ وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ: إذَا مَاتَ وَجَبَ الْبَيْعُ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ بِالْمَوْتِ فِي الْمُكَاتَبِ وَغَيْرِهِ وقوله: وَفِي الْمُكَاتَبِ وَجَبَ الْبَيْعُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ كَمَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَسْقُطُ الْخِيَارُ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَسْقُطُ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ بِحَقِّ الْمِلْكِ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ فِي حَيَاةِ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَالْوَارِثُ يَمْلِكُ بِحَقِّ الْإِرْثِ فَانْتَقَلَ إلَيْهِ بِمَوْتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ جَوَابَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُسَالَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى وَخَرَّجَهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ أحدهما: إنَّهُ يَسْقُطُ الْخِيَارُ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ الْخِيَارُ بِالتَّفَرُّقِ فَلَأَنْ يَسْقُطَ بِالْمَوْتِ - وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ أَعْظَمُ أَوْلَى والثاني: لَا يَسْقُطُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ لِفَسْخِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْمَوْتِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْخِيَارُ حَاضِرًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ إلَّا أَنْ يَتَفَارَقَا أَوْ يَتَخَايَرَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ إلَى أَنْ يُفَارِقَ الْمَوْضِعَ الَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ.
الشرح: قَوْلُهُ: حَقٌّ ثَابِتٌ لِإِصْلَاحِ الْمَالِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، وَأَسْلَمْنَ، وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، فَإِنَّ الْخِيَارَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ وقوله: خِيَارٌ ثَابِتٌ لِفَسْخِ الْبَيْعِ احْتِرَازٌ بِالْفَسْخِ عَنْ خِيَارِ الْقَبُولِ فِي إيجَابِ الْبَيْعِ، وَهُوَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ فَمَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبُولِ لَمْ يَقْبَل الْوَارِثُ عَنْهُ. وَاحْتَرَزَ بِالْبَيْعِ عَنْ فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعَيْبِ وَبِعِتْقِ الْأَمَةِ تَحْتَ عَبْدِهِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَطُرُقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَخِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَإِلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ فِي مُدَّتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا، إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى أَنَّ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُخَرَّجًا مِنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَمَرْدُودٌ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ الْخِيَارُ إلَى انْقِضَائِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْقَضَتْ فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَالْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْهَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ والوجه الثاني: يَثْبُتُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ بَقِيَ عِنْدَ الْمَوْتِ والثالث: يَبْقَى الْخِيَارُ مَا دَامَ الْمَجْلِسُ الَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ الْخَبَرُ، حَكَاهُ الْقَفَّالُ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَسْقُطُ الْخِيَارُ، وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ لِفَوَاتِ الْمُدَّةِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْخِيَارَ لِوَارِثِهِ وَقَالَ فِي الْمُكَاتَبِ: إذَا بَاعَ وَمَاتَ فِي الْمَجْلِسِ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ مَشْهُورَةٍ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِدَلَائِلِهَا وَاضِحَةً أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ أصحهما: يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ وَلِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. والثاني: لَا يَثْبُتُ، بَلْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي