فهرس الكتاب

الصفحة 3189 من 4102

ج / 9 ص -191- فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ, وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ, وَفِي الْفَرْعَيْنِ بَعْدَهُ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِقَوْلَيْ وَقْفِ الْعُقُودِ, وَحَيْثُ قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ: فِيهِ قَوْلَا وَقْفِ الْعُقُودِ أَرَادُوا هَذَيْنِ وَسُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إلَى الْعَقْدِ هَلْ يَنْعَقِدُ عَلَى التَّوَقُّفِ؟ أَمْ لَا يَنْعَقِدُ بَلْ يَكُونُ بَاطِلًا مِنْ أَصْلِهِ؟ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالصِّحَّةُ عَلَى قَوْلِ الْوَقْفِ وَهُوَ الْقَدِيمُ نَاجِزٌ وَلَكِنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا عِنْدَ الْإِجَازَةِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ, قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ بُطْلَانُهُ, وَلَا نَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ, وَكَذَا الْوَقْفُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ, وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ, وَقَالَ مَالِكٌ: يَقِفُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالنِّكَاحُ عَلَى الْإِجَازَةِ, فَإِنْ أَجَازَهُ مَنْ عُقِدَ لَهُ صَحَّ, وَإِلَّا بَطَلَ, وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إيجَابُ النِّكَاحِ وَقَبُولُهُ يَقِفَانِ عَلَى الْإِجَازَةِ, وَيَقِفُ الْبَيْعُ عَلَى الْإِجَازَةِ وَلَا يَقِفُ الشِّرَاءُ, وَأَوْقَفَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: من الآية2] وَفِي هَذَا إعَانَةٌ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ, لِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ نَعْتُ الْبَيْعِ إذَا كَانَ مُخْتَارًا لَهُ, وَبِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى بِهِ أُضْحِيَّةً وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ, وَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ, وَجَاءَهُ بِأُضْحِيَّةٍ وَدِينَارٍ فَتَصَدَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالدِّينَارِ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَبِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ قَالَ:"دَفَعَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِينَارًا لِأَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً, فَاشْتَرَيْتُ لَهُ شَاتَيْنِ فَبِعْتُ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ, وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ, فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ, فَكَانَ يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى كُنَاسَةِ الْكُوفَةِ فَيَرْبَحُ الرِّبْحَ الْعَظِيمَ, فَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَالًا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ, هَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ, وَإِسْنَادُ التِّرْمِذِيِّ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُ الْآخَرِينَ حَسَنٌ, فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ أَصْحَابِ الْغَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"قَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ, فَثَمَرْت أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إلَيَّ أَجْرِي, فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ, فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي, فَقُلْتُ: لَا أَسْتَهْزِئُ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا"وَفِي رِوَايَةٍ"اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ"وَذَكَرَ مَا سَبَقَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَهُ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ فَجَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ, وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ خِيَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ, وَهُوَ بَيْعٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ, قَالُوا: وَلِأَنَّ إذْنَ الْمَالِكِ لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْبَيْعِ, لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا لِلْبَيْعِ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ, وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فِي النِّكَاحِ اُشْتُرِطَ مُقَارَنَتُهَا الْعَقْدَ, فَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ انْعِقَادِهِ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ:"سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي مِنْ الْبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي أَبْتَاعُ لَهُ مِنْ السُّوقِ ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ؟ قَالَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ أَوَّلَ هَذَا الْفَصْلِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت