ج / 9 ص -195- وَلَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَطَرِيقَانِ أحدهما: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ وأصحهما: أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ كَغَيْرِهِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَأَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَقَبَضَ مَلَكَ فِي صُورَةِ الْهِبَةِ وَتَمَّ الرَّهْنُ، وَلَا يَزُولُ ضَمَانُ الْبَيْعِ فِي صُورَةِ الرَّهْنِ، بَلْ إنْ تَلِفَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ. هَذَا إذَا رَهَنَهُ عِنْدَهُ بِغَيْرِ الثَّمَنِ، فَإِنْ رَهَنَهُ بِهِ صَحَّ إنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِهِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلَا إنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، لِأَنَّ الْحَبْسَ ثَابِتٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَهُوَ كَرَهْنِهِ بِدَيْنٍ آخَرَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وأما: بَيْعُ الصَّدَاقِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ يَدِ الزَّوْجِ فَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانَ الْعَقْدِ كَالْمَبِيعِ؟ أَمْ ضَمَانَ الْيَدِ كَالْعَارِيَّةِ؟ وَالْأَصَحُّ ضَمَانُ الْعَقْدِ فإن قلنا: ضَمَانُ الْيَدِ، جَازَ كَالْعَارِيَّةِ وإن قلنا: ضَمَانُ الْعَقْدِ فَهُوَ كَالْمَبِيعِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَفِي بَيْعِهِ لِلزَّوْجِ الْخِلَافُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصَّدَاقِ قَبْلَ قَبْضِهِ، قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الزَّوْجِ بَدَلَ الْخُلْعِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَفِي بَيْعِ الْعَافِي عَنْ الْقِصَاصِ الْمَالَ الْمَعْفُوَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِمِثْلِ هَذَا الْمَأْخَذِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الرَّافِعِيُّ رحمه الله: وَوَرَاءَ مَا ذَكَرْنَاهُ صُوَرٌ، إذَا تَأَمَّلْتَهَا عَرَفْتَ مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ هِيَ فَمِنْهَا: مَا حَكَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ الْأَرْزَاقَ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا إذَا أَفْرَزَهُ السُّلْطَانُ، فَتَكُونُ يَدُ السُّلْطَانِ فِي الْحِفْظِ يَدَ الْمَقَرِّ لَهُ، وَيَكْفِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ وَحَمَلَ النَّصَّ مَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي قَبْضِهِ فَقَبَضَهُ الْوَكِيلُ ثُمَّ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ، وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعُ شَيْءٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَفَّالُ قلت: الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَقْرَبُ إلَى النَّصِّ، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَفَّالُ يَعْنِي بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ لَا بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ لِلْقَفَّالِ الْمَنْعَ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ: وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالرِّزْقِ الْغَنِيمَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وَدَلِيلُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِلْقَاعِدَةِ اُحْتُمِلَ لِلْمَصْلَحَةِ، وَالرِّفْقِ بِالْجُنْدِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ، وَمِمَّنْ قَطَعَ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَرْزَاقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا السُّلْطَانُ قَبْلَ قَبْضِهَا الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ آثَارَ الصَّحَابَةِ مُصَرِّحَةً بِالْجَوَازِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَكَذَا غَلَّةُ الْوَقْفِ إذَا حَصَلَتْ لِأَقْوَامٍ، وَعَرَفَ كُلُّ قَوْمٍ قَدْرَ حَقِّهِ فَبَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ صَحَّ بَيْعُهُ، كَرِزْقِ الْأَجْنَادِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ومنها: بَيْعُ أَحَدِ الْغَانِمِينَ نَصِيبَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْإِشَاعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ صَحِيحٌ إذَا كَانَ مَعْلُومًا وَحَكَمْنَا بِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَفِيمَا يَمْلِكُهَا بِهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ، قَالَ ومنها: لَوْ رَجَعَ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ، فَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ ومنها: الشَّفِيعُ إذَا تَمَلَّكَ الشِّقْصَ، قَالَ الْبَغَوِيّ: لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهَا مُعَاوَضَةٌ، وَهَذَا أَصَحُّ وَأَقْوَى، كَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ هُنَا ثُمَّ قَالَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي نُفُوذِ تَصَرُّفِ الشَّفِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، إذَا كَانَ قَدْ سَلَّمَ الثَّمَنَ وجهان أصحهما: الْمَنْعُ كَالْمُشْتَرِي والثاني: الْجَوَازُ لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْإِرْثِ قَالَ: وَلَوْ مَلَكَ بِالْإِشْهَادِ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ بِرِضَاءِ الْمُشْتَرِي بِكَوْنِ الثَّمَنِ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ، وَفِي جَوَازِ أَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ