ج / 9 ص -199- تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ وَلَا جُحُودٍ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ - نَظَرْت فَإِنْ كَانَ مُسْلَمًا فِيهِ - لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما"سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَسْلَفَ فِي حُلَلٍ دِقَاقٍ فَلَمْ يَجِدْ تِلْكَ الْحُلَلَ، فَقَالَ: آخُذُ مِنْكَ مَقَامَ كُلِّ حُلَّةٍ مِنْ الدِّقَاقِ حُلَّتَيْنِ مِنْ الْجِلِّ، فَكَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: خُذْ بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَفًا أَوْ غَنَمًا، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ."
وَإِنْ كَانَ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الصَّرْفِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ:"كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ، فَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ فَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا بَأْسَ مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ"وَلِأَنَّهُ لَا يُخْشَى انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِيهِ بِالْهَلَاكِ، فَصَارَ كَالْبَيْعِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَرَوَى الْمُزَنِيّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيهِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي بَيْعِ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْقَبْضِ طَرِيقَانِ أحدهما: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي بَيْعِ رَقَبَتِهِ والثاني: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ.
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِهِ هُنَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ سِمَاكٍ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. قلت: وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي رَفْعِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا وَبَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا وَبَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا كَانَ مَحْكُومًا بِوَصْلِهِ وَرَفْعِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ، وَمُحَقِّقُو الْمُحَدِّثِينَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وقوله: بِالْبَقِيعِ هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَتْهُ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ يُصَحِّفُهُ وقوله: السَّلَمُ فِي حُلَلٍ هُوَ جَمْعُ حُلَّةٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَهِيَ ثَوْبَانِ وَلَا يَكُونُ إلَّا ثَوْبَانِ، كَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالدِّقُّ بِكَسْرِ الدَّالِ - وَالْجِلُّ - بِكَسْرِ - الْجِيمِ - وَهُوَ الْغَلِيظُ وقوله:مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ يَحْتَرِزُ مِنْ أَسَاسِ الدَّارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهُوَ غَرَرٌ لِلْحَاجَةِ، وَهَذَا الِاحْتِرَازُ يُكَرِّرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ كَثِيرًا.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَدْ لَخَصَّهَا الرَّافِعِيُّ أَحْسَنَ تَلْخِيصٍ، وَهَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِهِ قَالَ: الدَّيْنُ فِي الذِّمَّةِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ مُثَمَّنٌ وَثَمَنٌ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي حَقِيقَةِ الثَّمَنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَا أُلْصِقَ بِهِ الْبَاءُ كَقَوْلِكَ: بِعْتُ كَذَا بِكَذَا وَالْأَوَّلُ مُثَمَّنٌ، وَالثَّانِي ثَمَنٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَفَّالِ والثاني: أَنَّهُ النَّقْدُ مُطْلَقًا، وَالْمُثَمَّنُ مَا يُقَابِلُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أصحهما: أَنَّ الثَّمَنَ النَّقْدُ، وَالْمُثَمَّنُ مَا يُقَابِلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ نَقْدٌ أَوْ كَانَ الْعِوَضَانِ نَقْدَيْنِ فَالثَّمَنُ مَا أُلْصِقَتْ بِهِ الْبَاءُ، وَالْمُثَمَّنُ مَا يُقَابِلُهُ فَلَوْ بَاعَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ فَلَا مُثَمَّنَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَلَوْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا ثَمَنَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَادَلَةٌ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِهَذَا الْعَبْدِ فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْعَبْدُ ثَمَنٌ وَالدَّرَاهِمُ مُثَمَّنٌ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ وَجْهَانِ كَالسَّلَمِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الأصح: الصِّحَّةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَالْعَبْدُ مُثَمَّنٌ.