ج / 9 ص -209- أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْقَلِبُ صَحِيحًا وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا لَوْ بَاعَ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بَاعَ آبِقًا.
فرع: قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَوْ بَاعَ سَفِينَةً فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهَا حَالَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا أَمْ لَا، فَإِنْ قَدَرَ جَازَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ عَيْنٍ مَجْهُولَةٍ كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدٍ، وَثَوْبٍ مِنْ أَثْوَابٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ، لِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ الصُّبْرَةَ عَرَفَ الْقَفِيزَ مِنْهَا فَزَالَ الْغَرَرُ.
الشرح: الْقَفِيزُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ، وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِهِ التَّمْثِيلُ، وَأَصْلُ الْقَفِيزِ مِكْيَالٌ يَسَعُ اثْنَيْ عَشَرَ صَاعًا، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَأَصْحَابُ الْغَرِيبِ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْإِرْدَبُّ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَاعًا، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ مَنًا، وَالْمَنَا رِطْلَانِ، وَالْعَنْقَلُ نِصْفُ إرْدَبٍّ، قَالَ: وَالْكرستون قَفِيزًا، وَالْقَفِيزُ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكَ، وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفٌ. وَهُوَ ثَلَاثُ حَجَلِيَّاتٍ وَالْعَرْقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ"احْتِرَازٌ مِنْ السَّلَمِ وَمِنْ أَسَاسِ الدَّارِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ كَوْنَهُ مَعْلُومًا، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ الْمُشْتَرَطُ عِلْمُ عَيْنِهِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي فُصُولٍ مُتَرَاسِلَةٍ فَبَدَأَ بِاشْتِرَاطِ عَيْنِ الْمَبِيعِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ عَيْنٍ مَجْهُولَةٍ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ عَبِيدِي أَوْ أَحَدَ عَبْدَيَّ هَذَيْنِ أَوْ شَاةً مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ أَوْ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّاتَيْنِ أَوْ ثَوْبًا مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ مِنْ هَذَيْنِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُمْ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، وَسَوَاءٌ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمْ وَقِيَمُ الشِّيَاهِ وَالْأَثْوَابِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ قَالَ: وَلَكَ الْخِيَارُ فِي التَّعْيِينِ أَمْ لَا، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِي كُلِّ هَذَا عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ إلَّا قَوْلًا قَدِيمًا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ إذَا قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ عَبِيدِي أَوْ عَبِيدِي الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنْ تَخْتَارَ مِنْ بَيْنِهِمْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَاخْتَلَطَ بِعَبِيدٍ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ: بِعْتُكَ عَبْدِي مِنْ هَؤُلَاءِ وَالْمُشْتَرِي يَرَاهُمْ كُلَّهُمْ وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ فَوَجْهَانِ، قَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ كَبَيْعِ الْغَائِبِ فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: عِنْدِي أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ وَهَذَا أَصَحُّ، وَلَوْ فُرِّقَتْ صِيعَانُ الصُّبْرَةِ الْمُتَمَاثِلَةِ فَبَاعَ صَاعًا مِنْهَا، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ الْبَيْعِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي نَظَائِرِهِ، وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ لِعَدَمِ الْغَرَرِ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى دِرْهَمٍ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ تَعَيُّنِهِ، وَالْمَذْهَبُ: الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ بِهِ غَرَضٌ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدَ الصِّيعَانِ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ إبْهَامُهُ، وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ فَتَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ