فهرس الكتاب
ج / 9 ص -223- الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ، لِأَنَّ الْحَبَّ قَدْ يَكُونُ صِغَارًا، وَقَدْ يَكُونُ كِبَارًا وَقَدْ يَكُونُ فِي بُيُوتِهِ مَا لَا شَيْءَ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ حَبٌّ مُتَغَيِّرٌ، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي بَيْعِ نَافِجَةِ الْمِسْكِ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَجُوزُ بَيْعُهَا، لِأَنَّ النَّافِجَةَ فِيهَا صَلَاحٌ لِلْمِسْكِ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِيهَا أَكْثَرُ، فَجَازَ بَيْعُهُ فِيهَا، كَالْجَوْزِ فِي الْقِشْرِ الْأَسْفَلِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ، لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ، مَجْهُولُ الصِّفَةِ، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الطَّلْعِ فِي قِشْرِهِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَسْتُورٌ بِمَا لَا يُدَّخَرُ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ كَالثَّمَرِ فِي الْجِرَابِ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا يُؤْكَلُ مَعَهُ مِنْ الْقِشْرِ، فَجَازَ بَيْعُهُ فِيهِ كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا فَقَالَ: فِي الْقَدِيمِ: يَجُوزُ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ"وَقَالَ: فِي الْجَدِيدِ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا فِيهَا مِنْ الْحَبِّ وَلَا صِفَةُ الْحَبِّ، وَذَلِكَ غَرَرٌ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ.
الشرح: حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَاقِلَّا لُغَتَانِ سَبَقَتَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ التَّخْفِيفُ مَعَ الْمَدِّ، وَالتَّشْدِيدُ مَعَ الْقَصْرِ وقوله: غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، احْتِرَازٌ مِنْ أَسَاسِ الدَّارِ وَمِنْ السَّلَمِ، وَنَافِجَةُ الْمِسْكِ - بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالْجِيمِ - وَهِيَ ظَرْفُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَالْجِرَابُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا - الْكَسْرُ أَفْصَحُ وَالْقِثَّاءُ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا - الْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَهُوَ مَمْدُودٌ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: يَجُوزُ بَيْعُ الْبَاقِلَّا فِي الْقِشْرِ الْأَسْفَلِ بِلَا خِلَافٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَخْضَرَ أَوْ يَابِسًا وَأَمَّا بَيْعُهُ فِي قِشْرَةِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ - فَإِنْ كَانَ يَابِسًا - لَمْ يَجُزْ عَلَى قَوْلِنَا بِمَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَ، وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ. وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ مَنَعْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَقَائِهِ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى شِرَائِهِ كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ يَجُوزُ، وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ صِحَّتُهُ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه أَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى لَهُ الْبَاقِلَّا الرَّطْبُ والثاني: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَآخَرِينَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ.
الثَّانِيَةُ: فِي بَيْعِ طَلْعِ النَّخْلِ مَعَ قِشْرِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الثالثة: الْمِسْكُ طَاهِرٌ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، نَقَلَ جَمَاعَةٌ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ دَمٌ وَلِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ، وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ خَلْطٌ صَرِيحٌ وَجَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ، وَلَوْلَا خَوْفُ الِاغْتِرَارِ بِهِ لَمَا تَجَاسَرْتُ عَلَى حِكَايَتِهِ، وَقَدْ